بغداد / عراق اوبزيرفر
يواجه العراق اليوم تحديا اقتصادياً وسياسياً واجتماعيا بالغ الخطورة مع تصاعد الحديث في الولايات المتحدة عن توجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لخفض أسعار النفط إلى حدود 50 دولاراً للبرميل في خطوة قد تحدث صدمة كبيرة للاقتصادات الريعية وفي مقدمتها العراق.
يضع ترامب نصب عينيه هدفاً اقتصادياً طموحاً يتمثل في خفض أسعار النفط إلى مستوى 50 دولاراً للبرميل، وذلك في محاولة مباشرة لتخفيف أعباء الطاقة عن كاهل الأسر الأمريكية وخفض أسعار البنزين التي وصلت مؤخراً إلى 2.81 دولار للجالون، وهو أدنى مستوى لها منذ عام 2021.
وفي هذا الصدد، حذر الباحث الاقتصادي سيف الحلفي من تداعيات اقتصادية خطيرة قد تواجه العراق في حال استمرار انخفاض أسعار النفط إلى حدود 50 دولاراً للبرميل، في ظل تصاعد الحديث داخل الولايات المتحدة عن توجهات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لخفض أسعار النفط عالميًا.
وقال الحلفي لـ عراق اوبزيرفر ، ان العراق يواجه اليوم تحديًا اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا غير مسبوق، مشيرا إلى أن استمرار هبوط أسعار النفط قد يؤدي إلى تقليص الإيرادات النفطية بما لا يقل عن 25% خلال عام واحد، وهو ما يشكّل، بحسب وصفه، كارثة اقتصادية لبلد ما زال يعتمد على اقتصاد ريعي قائم بشكل شبه كامل على النفط .
وأكد أن العراق لم يعد يمتلك رفاهية الاعتماد المطلق على النفط، في ظل الضغوط الدولية المتزايدة على أسعاره، وارتفاع النفقات التشغيلية، ولا سيما رواتب الموظفين التي قد تصل إلى 7 تريليونات دينار شهريا .
الأسيكودا والفجوة المالية
وأشار الحلفي إلى أن الحكومة العراقية بدأت فعلياً بتفعيل نظام الأسيكودا في المنافذ الحدودية لضبط الجمارك ومنع الهدر، في محاولة لتعزيز الإيرادات غير النفطية .
وبين أن التقارير المالية كشفت عن فجوة كبيرة بين الحوالات الخارجية الصادرة من المصارف العراقية خلال عام 2025، والتي قاربت 80 مليار دولار، وبين قيمة البضائع المستوردة التي بلغت نحو 40 مليار دولار فقط، وهو ما أثار تساؤلات حول التهريب المنظم والتلاعب بالفواتير .
وأضاف أن هذه المعطيات دفعت الحكومة إلى تطبيق أنظمة صارمة في التصريح المسبق للبضائع قبل دخولها البلاد، إلى جانب نظام الأسيكودا، بهدف الحد من التهريب وزيادة الإيرادات .
المواطن يدفع الثمن
ولفت الحلفي إلى أن رفع التعرفة الكمركية على عشرات السلع المستوردة أصبح خياراً شبه حتمي لتعويض تراجع الإيرادات النفطية، إلا أن المواطن العراقي البسيط يبقى المتضرر الأكبر من خلال ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وأوضح أن هذه الإجراءات، رغم أنها ستؤدي إلى زيادة ملموسة في الإيرادات غير النفطية لأول مرة منذ سنوات، إلا أنها قد تدفع البلاد نحو الانكماش التضخمي، حيث ترتفع الأسعار بالتزامن مع تراجع القوة الشرائية، ما يثقل كاهل الطبقات الفقيرة ومحدودي الدخل.
تقشف محتمل وتعديلات ضريبية
وبحسب الحلفي، قد تجد الحكومة نفسها مضطرة إلى تبني سياسات تقشفية تشمل تقليل الإنفاق غير الضروري وتأجيل بعض المشاريع الثانوية، مع التأكيد على أن الرواتب الأساسية ستبقى خطًا أحمر.
وأشار إلى أن الامتيازات الإضافية قد تُخفض أو تُلغى، في ضوء قرارات حكومية حديثة، من بينها عدم احتساب شهادتي الماجستير والدكتوراه ضمن معادلة تحديد الراتب.
كما توقع أن تتجه الحكومة إلى تعديل أو تشريع قانون ضرائب جديد يشمل فرض رسوم على بعض الخدمات والسلع الكمالية، وتوسيع نطاق الضرائب ليشمل قطاعات ونشاطات لم تكن خاضعة سابقًا.
دعوة لحماية الفئات الضعيفة
وختم الحلفي بالتحذير من تزايد القلق الشعبي نتيجة تراكم الأعباء المالية والاجتماعية، في وقت ما تزال فيه الخدمات الأساسية ضعيفة، مطالبًا بأن ترافق هذه القرارات برامج دعم حقيقية للفقراء والموظفين محدودي الدخل.
وتبقى، بحسب قوله، الإشكالية الأهم هل تستطيع الحكومة العراقية عبور هذه المرحلة الاقتصادية الصعبة دون أن يدفع المواطن وحده ثمن الأزمة؟ .
ومع تداول الخام الاميركي حالياً عند مستويات 57 دولاراً، فإن أغلب البراميل المستخرجة من الأراضي الاميركية تُباع الآن بأقل من تكلفة حفرها، مما يضع الصناعة على حافة نقطة تحول خطيرة قد تؤدي إلى توقف واسع لعمليات الحفر والإكمال خلال عام 2026 إذا لم تتعدل كفة الأسعار.
وتتزايد الضغوط على الأسعار عالمياً مع غمر الأسواق بفائض ضخم من المعروض، حيث تتوقع إدارة معلومات الطاقة الاميركية أن يهبط متوسط سعر خام برنت إلى 55 دولاراً خلال الربع الأول من عام 2026، ما سيدفع الخام الأمريكي تلقائياً إلى مستويات قد تلامس 51.50 دولاراً.
هذا التوجه الهبوطي، الذي يؤيده محللو بنوك كبرى مثل جولدمان ساكس و جي بي مورجان ، ناتج عن استمرار المنتجين في الأمريكتين ودول أوبك في ضخ كميات تتجاوز حاجة السوق الفعلية، مما يضع الشركات المستقلة المتوسطة في الولايات المتحدة أمام خيارين أحلاهما مر، إما الاستمرار في نزيف الخسائر أو تجميد الاستثمارات وتسريح الكفاءات البشرية.
وفي الوقت الذي يضغط فيه ترامب لخفض الأسعار محلياً، فإنه يسعى أيضاً لإغراء العمالقة مثل إكسون موبيل و شيفرون للعودة والاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي المتهالك بعد التغييرات السياسية الأخيرة هناك.
و تكمن المفارقة الاقتصادية الصارخة هنا في أن تكلفة استخراج برميل النفط الثقيل في حزام أورينوكو بفنزويلا تتجاوز 80 دولاراً، مما يجعل أي استثمارات اميركية في كاراكاس غير مجدية من الناحية التجارية إذا نجحت الإدارة في تثبيت السعر العالمي عند 50 دولاراً.
هذا المحتوى مقدم من عراق أوبزيرڤر
