حين تكشف حرائق الألب السويسرية فجوة السلامة في عالم سريع التغيّر

في مقابلة مع CNN الاقتصادية، قدّم جيم بولي، الرئيس والمدير التنفيذي للجمعية الوطنية للحماية من الحرائق (NFPA)، قراءة معمّقة للتحديات التي تواجه معايير السلامة في عالم يتحرك بوتيرة غير مسبوقة، فبين تسارع قطاع البناء، وانتشار التقنيات الجديدة، وتغيّر أنماط التنقّل والسكن، لم تعد مخاطر السلامة مسألة نظرية أو تقنية بحتة، بل ملفاً يومياً يمسّ حياة الأفراد واقتصادات الدول.

البناء يتسارع والمعايير مطالَبة باللحاق يرى بولي أن جوهر الإجابة عن سؤال السلامة اليوم يكمن في حقيقة واحدة: العالم يتحرك أسرع من أي وقت مضى، وقطاع البناء تحديداً يشهد تحولات متسارعة في المواد، والتصاميم، والكثافة العمرانية، هذا الواقع -بحسبه- يفرض على الجهات التنظيمية في المنطقة والعالم إعادة التفكير باستمرار في كيفية تطوير الأكواد والمعايير، لا الاكتفاء بتطبيق نماذج قديمة على واقع جديد كلياً.

ويشرح بولي أن أحد أسباب الانتشار الواسع لمعايير الجمعية الوطنية للحماية من الحرائق عالمياً هو اعتمادها على دورة تحديث منتظمة كل ثلاث إلى خمس سنوات، هذه الدورة ليست شكلية، بل تقوم على مراجعة أحدث الأبحاث العلمية، ورصد المشكلات المستجدة على أرض الواقع، ثم ترجمتها إلى معايير قابلة للتطبيق. وفي المقابل، يحذّر من أن بعض المناطق حول العالم لا تزال تعمل بمعايير يعود تاريخها إلى 15 أو حتى 20 عاماً، ما يخلق فجوة خطرة بين الواقع المتغيّر والإطار التنظيمي الذي يفترض أن يحمي الناس والممتلكات.

الخليج كنموذج مختلف في التعامل مع السلامة خلال المقابلة، توقف بولي عند تجربة كل من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، معتبراً أنهما من المناطق التي تتحرك بسرعة لافتة في تحديث الأكواد والمعايير، مع اعتماد واسع على معايير الجمعية الوطنية للحماية من الحرائق، إلا أن ما يميز التجربة الخليجية، من وجهة نظره، لا يقتصر على الجانب الفني.

العنصر الحاسم، كما يقول، هو وجود التزام واضح بالسلامة على مستوى القرار السياسي والمؤسسي؛ ففي الإمارات، على سبيل المثال، يمتد هذا الالتزام من أجهزة الدفاع المدني إلى الوزارات والجهات التنظيمية، مع قناعة راسخة بأن حماية الأرواح والممتلكات أولوية لا تقبل التأجيل، ويؤكد بولي أن هذا الالتزام هو المحرك الحقيقي للتحديث السريع؛ فبدونه، لم تكن الأمور لتتحرك أصلًا ، مهما توفرت الخبرات أو التقنيات.

بطاريات الليثيوم تفرض معايير جديدة من أبرز القضايا التي تناولها بولي خلال حديثه العمل الجاري على تطوير معيار جديد يحمل اسم NFPA 800، والمخصص لسلامة البطاريات، هذا المعيار يأتي استجابة مباشرة للانتشار الواسع لبطاريات الليثيوم-أيون، سواء في السيارات الكهربائية أو في وسائل التنقّل الصغيرة مثل السكوترات والدراجات الكهربائية.

يوضح بولي أن هذه التقنيات، رغم فوائدها البيئية والاقتصادية، تفرض مخاطر جديدة تتطلب مقاربة مختلفة للسلامة، ولهذا؛ تعمل الجمعية الوطنية للحماية من الحرائق على تطوير هذا المعيار ضمن مسار سريع ، لكن دون التفريط بجودة العمل. فالتحدي، كما يصفه، ليس في السرعة فقط، بل في الاستفادة من الخبرات المتخصصة المتاحة، عبر جمع خبراء من مجالات متعددة حول طاولة واحدة عند صياغة أي معيار جديد.

هل تتحرك الجهات التنظيمية بالسرعة الكافية؟

عند تقييمه مدى استجابة الحكومات لهذا التسارع، يلفت بولي إلى اتجاهين عالميين متوازيين، الأول يتمثل في تزايد اعتماد الحكومات بشكل رسمي على أكواد ومعايير محددة، ما يعكس وعياً متنامياً بأهمية الإطار التنظيمي. أما الاتجاه الثاني، فيكشف تفاوتاً واضحاً بين المناطق، حيث لا تزال بعض الدول مترددة أو بطيئة في تحديث معاييرها.

وفي هذا السياق، يرى بولي أن منطقة الخليج تبرز كمثال متقدم نسبياً، إذ يسهم الالتزام المؤسسي بالسلامة في تسريع تبني المعايير وتحديثها، مقارنة بمناطق أخرى لا تزال أسيرة إجراءات بطيئة أو غياب الإرادة السياسية.

السلامة لا تحدث بالصدفة من أكثر الرسائل التي شدد عليها بولي خلال المقابلة قوله إن السلامة لا تحدث بالصدفة، بل يجب أن تكون مقصودة ، ويشرح هذه الفكرة من خلال مثال بسيط وقريب من الحياة اليومية: أي شخص، في أي مكان، لا يبعد أكثر من بضعة أقدام عن عنصر يخضع لمعيار من معايير NFPA.

سواء كان ذلك جهاز طهي في المنزل، أو مقبساً كهربائياً، أو نظام إنذار، أو رشاشات إطفاء في مبنى سكني أو مكتبي، فإن الأكواد تعمل بصمت في الخلفية، لكن هذا العمل خلف الكواليس ، كما يقول، جعل كثيرين يفقدون الإحساس بمدى قرب مخاطر الحرائق من حياتهم اليومية.

مسؤولية الأفراد إلى جانب المؤسسات إلى جانب الحكومات والمؤسسات، يضع بولي مسؤولية واضحة على عاتق الأفراد، فهو يدعو أصحاب المنازل وغير المتخصصين إلى تخصيص وقت للتعلّم حول أساسيات السلامة من الحرائق، معتبراً أن الوعي الفردي عنصر مكمل لا يمكن الاستغناء عنه.

ويستشهد في هذا السياق بحريق مأساوي وقع مؤخراً في جبال الألب السويسرية، حيث أظهرت التحقيقات الحاجة إلى مزيد من التوعية حول طبيعة مخاطر الحرائق وكيفية التعامل معها، بالنسبة لبولي؛ هذه الحوادث تؤكد أن المعايير وحدها لا تكفي إن لم تُرافق بثقافة عامة تعي المخاطر وتتفاعل معها بجدية.


هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من منصة CNN الاقتصادية

منذ 3 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 44 دقيقة
منذ 9 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 4 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 9 ساعات
منصة CNN الاقتصادية منذ 6 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 13 ساعة
قناة العربية - الأسواق منذ 20 دقيقة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 16 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 11 ساعة