عودة فِقه العمارة

لم يعد سؤال العمارة فى مصر المعاصرة سؤال بناءٍ أو توسعةٍ أو تطوير واجهات، بل بات سؤالًا يتعلّق بجوهر المدينة نفسها: كيف تُدار، ولصالح من، وبأى منطق قيمى؟ ففى اللحظة التى تعيد فيها الدولة رسم وجهها العمرانى، وتستثمر فى استعادة وسط القاهرة والقاهرة الخديوية بوصفهما ذاكرة حيّة وقوة ناعمة، يتجاوز التحدّى حدود الترميم والتحديث ليطرح سؤالًا أعمق: كيف نعيد بناء العلاقة بين الإنسان والمكان؟ هنا، يخرج مفهوم «فقه العمارة» - كما صاغه وبلوره الدكتور خالد محمد مصطفى عزب - من الإطار الأكاديمى الضيق إلى قلب النقاش العام، بوصفه منطقًا ناظمًا للمدينة القابلة للحياة، لا باعتبارها منتجًا عمرانيًا فقط، بل بوصفها عقدًا اجتماعيًا وأخلاقيًا.

تتميّز كتابة خالد عزب منذ بداياتها برفض التعامل مع العمارة الإسلامية بوصفها طرازًا فنيًا أو سجلًا أثريًا منفصلًا عن شروط إنتاجه. فالمدينة، فى مشروعه، ليست تجمعًا محايدًا للمبانى، بل نتاج تفاعل مركّب بين الفقه، والسلطة، والمجتمع، والبيئة، والاقتصاد. ومن ثمّ فإن تحليل العمران لا يكتمل دون تفكيك القواعد التى حكمت حركته، والحقوق التى نظّمت استعماله، والسلطات التى تدخلت فى توجيهه، والأعراف التى أعادت تشكيله من الداخل. بهذا المعنى، لا تصبح العمارة مجرد انعكاس للتاريخ، بل إحدى أدوات صناعته.

تعود البذرة الأولى لهذا المشروع إلى رسالة الماجستير التى أنجزها خالد عزب عام 1995 حول دور الفقه الإسلامى فى العمارة المدنية بالقاهرة ورشيد فى العصرين المملوكى والعثمانى. لم تكن هذه الدراسة وصفًا لعمائر أو منشآت، بل قراءة فى الفقه بوصفه قوة تنظيم عمرانى. فالفقه هنا لا يُستدعى باعتباره خطابًا وعظيًا أو تقعيدًا نظريًا، بل باعتباره أداة معيارية تدخل فى تفاصيل الحياة اليومية: الطريق، والسكن، والسوق، والمياه، والمنشآت الخدمية، وحدود الملكيات. وفى هذه التفاصيل تتبلور فكرة محورية سترافق مشروع عزب لاحقًا: تحويل القيم إلى قواعد.

فى هذه الدراسة المبكرة، يتقدّم مفهوم «حق المرور» بوصفه أحد المفاتيح الكبرى لفهم المدينة الإسلامية. فهو ليس شعارًا أخلاقيًا عامًا، بل قاعدة عملية تفرض شق الطرق وصيانتها، ومنع التعدّى عليها، وضمان وصول الإنسان إلى مسكنه وعمله دون عوائق، ودون أن تتحول الحركة داخل المدينة إلى امتياز اجتماعى أو طبقى. بهذا المعنى، يتضح أن تنظيم الحركة فى التجربة الإسلامية انطلق من الإنسان بوصفه صاحب حق فى الحركة الآمنة، لا من منطق السيطرة أو الامتياز، وهو ما يمنح هذا التراث العمرانى راهنية لافتة فى زمن اختناق المدن الحديثة.

هذا المنظور الفقهى - العمرانى تطوّر لاحقًا فى أطروحة الدكتوراه التى ناقشها خالد عزب مطلع الألفية الجديدة حول التحولات السياسية وأثرها فى عمارة القاهرة من العصر الأيوبى حتى عصر الخديو إسماعيل. هنا ينتقل التحليل من مستوى القاعدة إلى مستوى البنية، ومن الفقه إلى السياسة بوصفها شرطًا عمرانيًا. فالمدينة لا تتغير فقط بفعل التقدم التقنى أو النمو السكانى، بل بفعل تحوّلات الدولة ذاتها: موقع الحكم، وطبيعة السلطة، وأدوات الضبط، وتصورات الشرعية.

تُقرأ القلعة، والأسوار، والمساجد الجامعة، والميادين، فى هذا السياق بوصفها لغة سياسية مكتوبة بالحجر. فمقر الحكم ليس مجرد مبنى، بل مركز ثقل يعيد ترتيب المجال الحضرى كله. والأسوار ليست أدوات دفاع فحسب، بل حدود رمزية بين الداخل والخارج، وبين من يملك السلطة ومن يخضع لها. من هنا، يصبح تاريخ العمارة سجلًا للصراع والتفاوض بين الدولة والمجتمع، لا مجرد سجل للأشكال والأساليب. فالعمارة تُستخدم للضبط، لكنها فى الوقت نفسه تُعاد صياغتها بفعل الأعراف والاحتياجات اليومية، عبر حلول عملية يبتكرها المجتمع داخل الإطار القائم.

مع كتابه «تخطيط وعمارة المدن الإسلامية»، يبدأ مشروع خالد عزب فى الخروج من الإطار الجامعى إلى أفق تركيبى أوسع. المدينة الإسلامية هنا لا تُقدَّم بوصفها نموذجًا مثاليًا متخيّلًا، ولا حالة عشوائية كما صوّرتها بعض الأدبيات الاستشراقية، بل منظومة عقلانية نشأت من تفاعل الفِقه، والعرف، والخبرة العملية. الأسواق تُنظَّم، الطرق تُصان، المياه تُدار، الجوار يُحترم، والفضاء العام يُحمى بوصفه شرطًا للحياة المشتركة، لا هامشًا يمكن التضحية به عند أول أزمة.

يبلغ هذا المسار ذروته مع صدور كتابه المرجعى «فقه العمران: الدولة والمجتمع والعمارة فى الحضارة الإسلامية» عام 2012. فى هذا العمل، لا يعود «فقه العمارة» توصيفًا عامًا، بل يصبح إطارًا تحليليًا متكاملًا يفسّر كيفية إنتاج المدينة بوصفها توازنًا دقيقًا بين الدولة والمجتمع. فالمدينة الإسلامية - فى هذا التصور - ليست مدينة سلطة مطلقة، ولا مدينة سوق منفلتة، بل فضاء تُدار فيه الحقوق بدقة: حق الطريق، وحق الجوار، وحق الهواء، ومنع ضرر الكشف، وصيانة المنافع العامة.

تكمن أهمية هذا الكتاب فى منطقه قبل مادته. فهو يبيّن كيف.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور المصرية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الدستور المصرية

منذ 6 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 5 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 15 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 3 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 11 ساعة
موقع صدى البلد منذ ساعة
موقع صدى البلد منذ 5 ساعات
بوابة أخبار اليوم منذ 6 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 14 ساعة
بوابة الأهرام منذ ساعتين