تشهد ألمانيا، لأول مرة منذ أزمة اليورو قبل 15 عاماً، موجة من التشكيك المتزايد في قدرة الاتحاد الأوروبي على الصمود أمام صعود الأحزاب القومية، واستمرار الحرب في أوكرانيا دون أفق لوقف إطلاق النار، والضغوط المتكررة من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
هذا التشاؤم الجديد يثير مخاوف من ضعف دائم، بل وربما تهميش تدريجي، لأوروبا كما نعرفها اليوم.
مع من نبني أوروبا؟
وتقول فرانزيسكا برانتنر، الرئيسة المشاركة لحزب الخضر الألماني: "هناك شك متزايد تجاه المشروع الأوروبي. عندما أدافع عنه، يُقال لي: مع من تريدين بناء أوروبا؟ جورجيا ميلوني متشككة في أوروبا، والمجر والتشيك وسلوفاكيا كذلك، وإيمانويل ماكرون فقد قوته، وقد تنقلب فرنسا إلى اليمين المتطرف في 2027".
وتضيف في تصريحات نقلتها صحيفة "لوموند": "نحن نتخلى عن التقدم، خاصة في مجال الدفاع والأمن؛ بسبب فرضية وصول مارين لوبان إلى الإليزيه. إذا استمررنا على هذا النحو، وتركنا ترامب يفرقنا، فإن نهاية الاتحاد الأوروبي ممكنة".
واقع مخيّب
في السياق نفسه، تقول الصحفية والباحثة سابين رينفانتز لمجلة "دير شبيغل": "عندما نتذكر بدايات الاتحاد الأوروبي، يبدو الواقع الحالي مخيباً للآمال".
وترى رينفانتز أن الاتحاد "ليس في حالة تفكك أو عجز عن الفعل، لكنه ضعف من الداخل". وتتابع: "نهاية الاتحاد الأوروبي لم تعد تابوهاً محظوراً، بل أصبحت فكرة مزعجة لا يحب أحد الحديث عنها".
وتتوقع ألا تستغرب "إذا لم يعد هذا الاتحاد موجوداً بعد 10 سنوات، ليس بسبب انهيار دراماتيكي، بل بفقدان تدريجي للأهمية. الاتفاقيات ستبقى، والمباني كذلك، لكن الفكرة السياسية التي تقوم عليها ستختفي".
ميرتس.. من الحماس إلى الحذر
ووصل المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى السلطة في مايو 2025 حاملاً آمالاً بإحياء المشروع الأوروبي، لكنه أصبح أكثر حذراً الآن، وأحياناً يلعب بورقة "ألمانيا وحدها". فقد وجه مؤخرا كلامه إلى دونالد ترامب: "إذا لم تريدوا أوروبا، فاجعلوا ألمانيا على الأقل شريككم".
ورغم الوعود السابقة بإلقاء خطاب كبير عن مستقبل أوروبا على غرار خطاب ماكرون في السوربون عام 2017، لم يقدم ميرتس بعد رؤية واضحة أو تأملاً نظرياً، وفق ما يقوله الخبراء.
وقد ضعُف حماس ميرتس بسبب رفض فرنسا اتفاق التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ودول الميركوسور، وتحفُّظ باريس على استخدام الأصول الروسية المجمدة لمساعدة أوكرانيا، فضلاً عن تعثر مشروع الطائرة المقاتلة المستقبلية المشتركة (SCAF).
سقوط أوروبا "القريب"
وفي تقرير سابق لها، حذرت صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" من أن "لا أحداً يبدو مهتماً جدياً بالاتحاد الأوروبي"، رغم أنه الوحيد القادر على "الدفاع عن نمط الحياة الأوروبي القائم على الحرية".
وتتوقع الصحيفة "سقوط أوروبا بحلول العام المقبل" تحت تأثير انتصارات الأحزاب الشعبوية والمتشككة في أوروبا عموما، في فرنسا وبولندا خاصة.
وتساءل الصحفي يوزف كيلنبرغر، مراسل الصحيفة في بروكسل: "هل يجب أن يكون الاتحاد أكثر اندماجاً سياسياً؟ هل يحتاج إلى رئيس منتخب مباشرة؟ هل يصبح اتحاداً فيدرالياً؟ هل يمتلك جيشاً مشتركاً؟".
ويجيب بنفسه قائلا: "لم يعد أحد يناقش هذه الأسئلة. الرئيس الأمريكي هو من يحدد إيقاع النقاش في أوروبا الآن"، محذراً من أن الاتحاد قد "يموت باللامبالاة".
"نواة صلبة" أوروبية
ويدافع عدد من المحللين الألمان عن فكرة تشكيل "نواة صلبة" من الدول الراغبة في التعاون الأمني، مثل العودة إلى فكرة "الاتحاد الأوروبي الغربي" القديمة (التي ضمت سبع دول بعد الحرب)، أو التقدم دون قاعدة الإجماع.
وهنا يقول فولفغانغ إيشينغر، رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن: "هناك نواة من الدول الأوروبية المتشابهة، مستعدة للتقدم برفض قاعدة الإجماع، وأنا متأكد أن كثيرين في الحكومة الألمانية الحالية والأغلبية يدعمون مثل هذه المبادرة".
وتؤكد فرانزيسكا برانتنر، الرئيسة المشاركة لحزب الخضر الألماني: "يجب إعادة إنشاء مجتمع أوروبي للدفاع، كما في 1952، لكن ليس على مستوى الـ27. أوروبا لم تتقدم إلا في صيغ محدودة، كما حدث مع اليورو أو منطقة شنغن".
المشروع الأوروبي أمام مفترق طرق
ومنذ توليه المنصب، يفضل ميرتس صيغة "E3" (ألمانيا - فرنسا - بريطانيا)، وقد تتوسع أحياناً لتشمل إيطاليا وبولندا، معتبراً أنها أكثر فعالية من الإطار الواسع للاتحاد الأوروبي، حتى لو كلف ذلك تماسك الاتحاد.
وبينما تتزايد التحديات الخارجية والانقسامات الداخلية، يبدو المشروع الأوروبي في نظر جزء متزايد من النخبة الألمانية أمام مفترق طرق خطير، قد يؤدي إما إلى إعادة تشكيل جذري أو إلى تراجع تدريجي لدوره العالمي.
هذا المحتوى مقدم من قناة الرابعة
