منذ مطلع العام، يمضي لبنان في عدّ تنازلي متعدد المسارات، تتقاطع فيه الاستحقاقات الداهمة مع تحديات تفادي الانزلاق الأمني والسياسي، في مشهد تتسارع فيه التحولات الإقليمية وتتراكم فيه عناصر الضغط الداخلي، فيما تضيق هوامش المناورة أمام الدولة اللبنانية.
في لحظة إقليمية يعاد فيها رسم خرائط النفوذ وتتعقّد الملفات المفتوحة، لم يكن لبنان بمنأى عن هذا المخاض. فالعين الإسرائيلية لم تحِد يومًا عن سلاح حزب الله، بل ازدادت حدّتها وتعنتها، لا سيما في ما يتصل بمطلب تصفير أي سلاح خارج إطار الدولة اللبنانية، وبالأخص شمال نهر الليطاني.
تعنّتٌ تُرجم ميدانيًا بتكثيف غير مسبوق للغارات الإسرائيلية، طالت قرى وبلدات شمال الليطاني، وتمدّدت من البقاع الغربي إلى جرود الهرمل، في رسالة واضحة المعالم تتجاوز حدود الردع إلى محاولة فرض وقائع جديدة على الأرض.
في المقابل، يقف حزب الله على الضفة النقيضة تمامًا، متمسكًا برفض مطلق لأي نقاش حول نزع سلاحه شمال الليطاني، معتبرًا أن هذا السلاح جزء من معادلة الردع، وورقة ضغط سياسية وأمنية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة.
تكثّف إسرائيل غاراتها على لبنان في محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض - غيتي
الميدان يتقدّم على الدبلوماسية
بين هذين الموقفين المتناقضين، تحاول الدبلوماسية الإمساك بالخيط الرفيع الذي قد يحول دون ضربة إسرائيلية واسعة لا تتوقف تل أبيب عن التلويح بها.
غير أن هذا المسعى يصطدم بتآكل الأدوات الدبلوماسية نفسها. فقد تراجع عمليًا دور لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية، أو ما يُعرف محليًا بـ"الميكانيزم"، بعدما تعذّر تحديد موعد جديد لاجتماعاتها، وخصوصًا عقب غياب التمثيل السياسي والدبلوماسي عنها في محطتها الأخيرة، بما لذلك من دلالات وتبعات.
فتور أميركي لافت
يوازي ذلك فتور أميركي لافت، تُرجم بعدم تعيين بديل عن نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، مورغان أورتاغوس، التي شكّلت في الحد الأدنى قناة تواصل بين بيروت وتل أبيب، عقب الحديث عن تعليق مهامها في لبنان.
وفي ظل هذا الفراغ، واصلت إسرائيل تصعيدها العسكري، موسّعة نطاق ضرباتها شمال الليطاني وصولًا إلى العمق اللبناني في صيدا، مرورًا بإقليم التفاح وجزين والبقاع الغربي، ووصولًا إلى الحدود مع سوريا في جرود الهرمل، بالتوازي مع محاولات منهجية لتقييد عمل لجنة المراقبة وتقليص دورها عبر فرض شروط على حركتها وتركيبتها.
اللجنة الخماسية تعود
أمام هذا الواقع، أُعيد إحياء دور اللجنة الخماسية، المؤلفة من سفراء قطر والولايات المتحدة وفرنسا والسعودية ومصر، لتشكّل مظلة دعم دبلوماسي للجنة العسكرية المعنية بمراقبة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية.
غير أن هذا الإحياء بدا أقرب إلى محاولة لملء الفراغ منه إلى مسار فعلي قادر على كبح التصعيد، خصوصًا بعدما أكدت مصادر مطلعة أن الاجتماع الذي كان مقررًا للجنة لن ينعقد، وأن أي موعد جديد لم يُحدد، على الأقل خلال الشهر الجاري.
يعكس ذلك عمليًا تقدّم الميدان على الدبلوماسية، وانكفاء المسار السياسي أمام ضغط الوقائع العسكرية. وهو واقع يبدد جزءًا من الرهان اللبناني على الدور الذي كان يمكن أن يلعبه رئيس الوفد اللبناني في اللجنة، سيمون كرم، الذي عُيّن كشخصية مدنية لفتح مسار تفاوضي مع إسرائيل.
محطة مفصلية تبنى عليها السيناريوهات
بالتوازي، شهدت بيروت حراكًا دبلوماسيًا فرنسيًا-سعوديًا-قطريًا-أميركيًا-مصريًا، نجح، ولو شكليًا، وبعد أشهر من المماطلة، في تثبيت موعد لمؤتمر دعم الجيش اللبناني في الخامس من مارس/ آذار المقبل.
غير أن هذا الموعد يظل مشروطًا بما سيسبقه، وتحديدًا جلسة مجلس الوزراء المرتقبة في الخامس من فبراير/ شباط، المخصصة لبحث خطة الجيش اللبناني للمرحلة الثانية من مهمة حصر السلاح، والتي تشمل شمال الليطاني، ولا سيما المنطقة الممتدة من شمال النهر حتى نهر الأوّلي، على مساحة تقدَّر، وفق مصادر عسكرية، بما 1000 و1300 كيلومتر مربع.
بدا إحياء دور اللجنة الخماسية أقرب إلى محاولة لملء الفراغ منه إلى مسار فعلي قادر على كبح التصعيد
وتُعَدّ هذه الجلسة، في نظر المجتمع الدولي، محطة مفصلية تُبنى عليها السيناريوهات اللاحقة: من المضي في عقد مؤتمر الدعم وحجم المشاركة فيه، إلى مستوى المساعدات المقررة للجيش، مرورًا بتقييم جدية الدولة اللبنانية في التزاماتها، وصولًا إلى كيفية تعاطي إسرائيل عسكريًا وميدانيًا مع ما سيصدر عن الحكومة اللبنانية، ونتائج الزيارة المرتقبة لقائد الجيش إلى واشنطن في الأسابيع المقبلة.
وتكتسب الزيارة التي ستناقش برنامج.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من التلفزيون العربي
