د. إسلام حجازي يكتب: شتاء طهران الساخط وتصدع الجمهورية الإسلامية

لم تكن أعمدة الدخان المتصاعدة من الإطارات المشتعلة في شارع «شريعتي»، والهتافات المدوية التي ترددت في أرجاء «البازار الكبير» بطهران مساء يوم الثامن من يناير 2026، مجرد استنساخ لاحتجاجات جماهيرية سابقة، بل بدت وكأنها لحظة مكاشفة تاريخية لأجيال لم تعد تجد في ممارسات الثورة الإسلامية ما يطعم خبزًا أو يمنح أملًا. إن خروج آلاف المواطنين في أحياء العاصمة الحيوية، من «تجريش» شمالًا إلى «نازي آباد» جنوبًا، يكشف عن تصدع بنيوي كبير في جدار الهيمنة الذي بناه النظام الديني على مدار عقود، بشكل حولها إلى ساحة لاختبار القدرة الفعلية على الصمود أمام واقع اقتصادي وجيوسياسي لم يعد يرحم.

تشريح الأزمة الراهنة

كان المحفز المباشر لموجة الاحتجاجات الأخيرة هو التدهور الكارثي في قيمة الريال الإيراني، الذي تجاوز الحاجز النفسي البالغ 1.4 مليون ريال مقابل الدولار الأمريكي. وفي بلد يرتبط فيه سعر السلع الأساسية ارتباطاً وثيقاً بسعر صرف السوق السوداء، فإن هذا الانهيار ليس مجرد إحصائية اقتصادية كلية فحسب، بل هو تهديد وجودي لمعيشة المواطن الإيراني اليومية.

لطالما جادل بعض باحثي الاقتصاد السياسي، مثل صالحي أصفهاني (2023)، بأن العقد الاجتماعي للجمهورية الإسلامية، الذي وعد بالعدالة التوزيعية مقابل الامتثال السياسي، يمر بحالة من التآكل التدريجي منذ منتصف العقد الماضي، فقد جاءت تلك الاحتجاجات لتؤكد أن هذا العقد الاجتماعي اقترب من خط النهاية والتمزق التام.

فما بدأ كإضراب لتجار البازار، الذين مثلوا تاريخيًا العمود الفقري لثورة 1979، تحول بسرعة فائقة إلى تحالف عابر للطبقات؛ حيث انضم طلاب جامعة شريف للتكنولوجيا إلى العمال من الضواحي الصناعية المختلفة، مما خلق تحالفًا واسعًا للمحرومين، تجد الأجهزة الأمنية للدولة صعوبة متزايدة في تقسيمه أو قمعه.

لا يمكن فهم عدم الاستقرار الحالي في معزل عن السياق العام، فهو نتيجة لعاصفة مثالية تلاقى فيها سوء الإدارة الداخلية مع حقبة جديدة من العزلة العالمية. فعلى الصعيد الخارجي، أدى تفعيل آلية سناباك (Snapback) وإعادة فرض العقوبات الشاملة في أعقاب التصعيد العسكري عام 2025، إلى شل حركة مما يُعرف بـ«أسطول الظل» الإيراني، الذي كان يُستخدم لتصدير النفط والمنتجات البتروكيماوية بشكل غير قانوني، يتجاوز العقوبات الدولية المفروضة على طهران.

هذا الخنق الاقتصادي وضع حكومة مسعود بزشكيان في مأزق مستحيل. فمن أجل تمويل المجمع الصناعي-العسكري الضخم، وخاصة برامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، اضطر النظام إلى خفض الدعم عن الوقود، وتحرير واردات عدد كبير من المواد الغذائية الأساسية.

في كتابها المنشور عام 2015 تحت عنوان «الاقتصاد السياسي لإيران منذ الثورة»، جادلت «مالوني» بأن النظام الإيراني أعطى الأولوية تاريخيًا لسياسات «البقاء الأيديولوجي» على حساب سياسات «العقلانية الاقتصادية»، لكن عندما يصبح ثمن الحفاظ على درع النظام الأيديولوجي هو مزيد من الإفقار والتجويع في العديد من المدن؛ فالمؤكد أنه سيصبح درعًا هشًا للغاية ومعرضًا للاختراق في أي لحظة.

علاوة على ذلك، فإن عامل الإشارات الخارجية القادمة من واشنطن تحديدًا بعد ما حدث مع الرئيس الفنزويلي «نيكولاس مادورو» قد شجع الشارع الإيراني على التحرك دون خوف؛ بحيث خلقت تغريدات «ترامب» بشأن عزمه استخدام القوة لحماية المتظاهرين الإيرانيين حالة من التردد داخل قيادة إنفاذ القانون حول مخاطر التعامل العنيف مع الاحتجاجات.

ملامح وتكتيكات مغايرة

كانت السمة الأكثر لفتًا للانتباه في احتجاجات طهران الأخيرة هي تطور الشعارات؛ حيث استُبدلت الصرخات الأولى المنددة بالغلاء بسرعة بهتاف «الموت للدكتاتور». هذا الانتقال السريع من المطالب الإصلاحية إلى المطالب الثورية قد يشير إلى حالة الفقدان الكامل لشرعية النظام الإيراني الأيديولوجية.

يلاحظ أيضًا عدم اعتماد النسيج الاحتجاجي الإيراني الحالي على القيادة المركزية التي يمكن اعتقالها أو تدجينها، فهو يدار من خلال مجموعات واسعة من الشبكات الأفقية شديدة المرونة، والتي عادة ما تستخدم تقنيات التشفير المتقدمة لتجاوز الرقابة الرقمية.

من ناحية أخرى، قد يكون التلاحم الطبقي الفريد في الفعل الاحتجاجي الراهن واحدًا من أبرز السمات المغايرة؛ فلأول مرة منذ عقود طويلة، نرى «البروليتاريا» الإيرانية التي تعاني من تضخم جامح تجاوز حاجز الـ60%، تقف جنباً إلى جنب مع الطبقة التكنوقراطية وطلاب الجامعات. هذا الاندماج ألغى الكثير من الفوارق التقليدية التي كان النظام يلعب عليها لتقسيم وتفتيت المعارضة.

كما ظهرت شجاعة الأجيال الجديدة كسمة رابعة فارقة؛ حيث يواجه شباب أجيال «زد» و«ألفا» قوات الأمن بصدور عارية، وبتكتيكات احتجاج الكر والفر التي تستنزف طاقة عناصر «الباسيج». وتشير التقارير الميدانية إلى أن المتظاهرين الشباب انتقلوا من الهتاف في الساحات العامة إلى محاصرة المقار.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من جريدة الشروق

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة الشروق

منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 11 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 17 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ ساعة
بوابة أخبار اليوم منذ 10 ساعات
موقع صدى البلد منذ 10 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 20 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 18 ساعة
بوابة أخبار اليوم منذ 10 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 7 ساعات