في الذكرى المئوية لميلاد يوسف شاهين، لا يكفي النظر إلى أفلامه بوصفها إنجازات فنية فقط، لأن سينماه كانت مشروعا فكريا متكاملا، تكرر فيه هاجس واضح هو الهجرة. عند شاهين، لا يقتصر السفر على الانتقال من مكان إلى آخر، بل يصبح حالة وجودية، وهجرة من الواقع، ومن الأفكار، وأحيانا من الذات نفسها.
في أفلامه، لا يظهر الرحيل كحدث عابر، بل قدر يلاحق الشخصيات ويعيد تشكيل مصائرها. شاهين لا يحكي قصص مهاجرين بقدر ما يرسم خرائط نفسية للارتحال، وكأن كل فيلم محاولة لفهم سؤال واحد: لماذا نغادر، وماذا يتبقى منا بعد الرحيل؟
يتجلى هذا الهاجس بوضوح في ثلاثية الإسكندرية، التي يمكن قراءتها كسيرة ذاتية غير مباشرة. في إسكندرية ليه؟ ، يبدأ كل شيء بالهروب من واقع خانق، حيث يبدو السفر حلما بالتحرر والانطلاق. في حدوتة مصرية تتحول الهجرة إلى اغتراب حقيقي؛ البطل حاضر جسديا لكنه غائب وجدانيا، لا ينتمي إلى الوطن ولا يذوب في الغربة. أما إسكندرية كمان وكمان فتأتي لحظة العودة، لكنها ليست عودة منتصرة، بل مواجهة قاسية مع مكان تغيّر، أو مع ذات لم تعد كما كانت.
هذه الدائرة المتكررة الرحيل، الاغتراب، ثم العودة الناقصة تمثل جوهر فلسفة الهجرة في سينما شاهين. الرحلة ليست خطا مستقيما، بل مسارا دائريا يعيد الشخصيات إلى نقطة البداية، لكن بوعي مختلف وجرح أعمق.
وتؤكد الأرقام هذا الحضور الطاغي للهجرة. ففي تحليل لأفلام شاهين الثمانية والعشرين، نجد أن نحو 42% من شخصياته الرئيسية تعيش شكلا من أشكال الهجرة أو الارتحال، سواء كان داخليا أو خارجيا. حتى لغة الحوار تعكس هذا الهاجس، مع تكرار لافت لمفردات مثل السفر والغربة والعودة، ما يجعل الهجرة فكرة مركزية لا يمكن اعتبارها عارضة.
الهجرة عند شاهين تتخذ أشكالا متعددة. ففي باب الحديد و الأرض نرى الهجرة الداخلية من القرية إلى المدينة، حيث تكون المسافة قصيرة جغرافيا لكنها موجعة نفسيا واجتماعيا. وفي أفلام مثل عودة الابن الضال و إسكندرية نيويورك تتحول الهجرة الخارجية إلى صدام مع الهوية، فتغدو الشخصيات معلقة بين عالمين. أما في المهاجر ، فيظهر المنفى السياسي والروحي بوصفه قدرا دائما للمفكر والفنان في مواجهة السلطة.
اللافت أن صورة الهجرة تتغير مع الزمن، بالتوازي مع تحولات المجتمع. في الخمسينات بدت الهجرة خيانة للأرض، وفي السبعينات صارت حلما مكسورا، ثم تحولت في الثمانينات إلى بحث عن الذات، قبل أن تصبح مع الألفية الجديدة حالة إنسانية كونية يعيشها الفرد المعاصر في عالم بلا حدود ثابتة.
وربما كانت الهجرة الأهم في سينما يوسف شاهين هي هجرته الشخصية. تنقله الدائم بين السينما التجارية والسينما الذاتية، وبين مصر والعالم، وبين الواقعية والرمزية، جعله مخرجا يعيش ما يصوره. في المصير ، حين يقدم ابن رشد منفيا بين المدن والأفكار، نلمح انعكاس صورته كمثقف عالق بين الأصالة والانفتاح، والانتماء والكونية.
في النهاية، يمكن النظر إلى كل فيلم ليوسف شاهين باعتباره رحلة هجرة مستقلة، من الواقع إلى الخيال، ومن الصمت.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من بوابة أخبار اليوم
