مصدر الصورة: BBC
لا تتوقف مصر عن جذب عشاق الحضارة الفرعونية القديمة من مختلف أنحاء العالم.
غير أن بعض هؤلاء لا يكتفون بالزيارة أو الدراسة، بل يذهبون أبعد من ذلك، إلى حد تكريس حياتهم لتعلم هذه الحضارة، أو تبني معتقدات أهلها وطقوسهم، بل وحتى الانتقال للعيش قرب معابدها وآثارها القديمة.
لكن قصة عالمة الآثار البريطانية دوروثي إيدي، المعروفة باسم "أم سيتي"، تتجاوز حدود الإعجاب والشغف.
فالمرأة التي عاشت نحو ثلاثة عقود في مصر، ودفنت في أرضها، لم ترَ نفسها باحثة في تاريخ هذه الحضارة فحسب، بل كانت تؤمن بأنها تنتمي إلى جذورها، وأنها عاشت بالفعل في إحدى حقبها القديمة.
من هو الملك سيتي الأول؟ يعدّ اسم "أم سيتي" الأكثر تداولاً لدوروثي إيدي، وهو لقب ارتبط بها بعد إنجابها ابناً وحيداً من زواجها الوحيد برجل مصري تعرفت إليه في بريطانيا، قبل أن تنتقل معه إلى مصر، ثم ينتهي زواجهما لاحقاً بالانفصال.
اختارت دوروثي أن تطلق على ابنها اسم "سيتي"، تيمّناً بالفرعون سيتي الأول، الذي قالت إنه كان حبيبها في حياة سابقة، بحسب رواياتها.
وسيتي الأول هو ابن رمسيس الأول ووالد رمسيس الثاني، وأحد أبرز ملوك الأسرة التاسعة عشرة، إذ حكم مصر بين عامي 1290 و1279 قبل الميلاد.
وتشير دائرة المعارف البريطانية إلى أن سيتي الأول قاد حملات عسكرية لإعادة هيبة مصر التي تراجعت في أواخر حكم الأسرة الثامنة عشرة، وخاض معارك في شمال فلسطين وسوريا لترسيخ النفوذ المصري في المنطقة.
وعلى الصعيد المعماري، أنجزت في عهده أعمال بارزة، من بينها استكمال قاعدة قاعة الأعمدة الكبرى في معبد الكرنك، التي كان قد بدأها والده رمسيس الأول.
كما شيد المعبد الجنائزي في أبيدوس، الذي كرسه سيتي الأول للإله أوزيريس، إله البعث والخصوبة ورئيس محكمة الموتى في الديانة المصرية القديمة، إلى جانب ستة آلهة أخرى.
حكاية أم سيتي هي حكاية طويلة، تناقلتها مواقع إعلامية مصرية وعالمية، وأخرى متخصصة بالحضارة المصرية. ومصدرها الأساسي، وربما الوحيد، ما دأبت دوروثي إيدي على روايته طوال سنوات حياتها، لكل من التقاها أو عرفها أو عمل إلى جانبها.
وبحسب تلك الروايات، لم تغير دوروثي كثيراً في تفاصيل قصتها منذ طفولتها. وتبدأ الحكاية في بريطانيا، وتحديداً في لندن، حيث ولدت دوروثي إيدي عام 1904.
في سن الثالثة، تعرضت الطفلة لحادث إثر سقوطها عن درج المنزل، فقدت على أثره وعيها، إلى حد أن والديها اعتقدا أنها فارقت الحياة. وعندما حضر الطبيب، الذي استدعي على أساس أن الطفلة توفيت، وجد أنها استعادت وعيها، وبدأت تسرد له ولوالديها ما قالت إنها رأته خلال غيبوبتها أو حلمها. ثم خاطبت والديها باكية قائلة: "أريد أن أذهب إلى منزلي"، ما دفعهما إلى الاعتقاد بأن للحادث أثراً على دماغها.
وبعد عام على الحادث، اصطحبها والداها في زيارة إلى متحف لندن، حيث ركعت الطفلة أمام تمثال لأحد الفراعنة، ورفضت مغادرة المكان، واصفة إياه بأنه "منزلها"، وفق روايتها.
وتقول دوروثي إن والديها أرسلاها إلى مستشفى للأمراض العقلية بعد ملاحظتهما سلوكها وأفكارها التي بدت غريبة أو غير واقعية بالنسبة لمحيطها. وفي تلك الفترة، كثرت زياراتها إلى القسم المصري في متحف لندن، حيث تعرفت إلى علماء مختصين بالحضارة المصرية، واطلعت على أسس اللغة الهيروغليفية، أي نظام الكتابة بالرموز والرسوم لدى المصريين القدماء.
ومع مرور الوقت، ازداد شغف دوروثي بالحضارة المصرية القديمة، وابتسم لها الحظ عندما حصلت على فرصة للعمل في مجلة مصرية كانت تصدر من لندن. أتاح لها هذا العمل التعرف أكثر إلى مصر المعاصرة وتاريخها، لكن اقترابها الحقيقي من "المحروسة" بدأ عندما تعرفت في مكتب المجلة إلى المصري إمام عبد المجيد، الذي تزوجها لاحقاً واصطحبها معه إلى مصر.
وبحسب الرواية المتداولة، انتقلت دوروثي إلى مصر مع زوجها عام 1933، وعند وصولها إلى مطار القاهرة، جثت على الأرض وقبلتها قائلة: "أخيراً عدت إلى موطني".
أنجبت دوروثي من عبد المجيد طفلاً أسمته سيتي، إلا أن زواجهما لم يستمر، إذ رفضت مغادرة مصر بعد أن غادر زوجها إلى الخارج. وبعد الانفصال، انتقلت للعيش في محافظة سوهاج، حيث أمضت بقية حياتها في محيط معبد أبيدوس، الذي شيده الملك سيتي الأول على الضفة الغربية لنهر النيل، والمعروف باسم "العرابة المدفونة"، إلى أن توفيت هناك.
عملت دوروثي إيدي لاحقاً مع بعثة تنقيب مصرية كان يديرها سليم حسن، رائد علم المصريات في مصر، وأول وكيل مصري لوزارة الآثار، وأول من درّس هذا التخصص في جامعة القاهرة.
واصلت دوروثي عملها داخل معبد أبيدوس، وشاركت في إعادة تأهيل جزء واسع منه إلى جانب علماء الآثار المصريين. وتولت مسؤولية تنظيم الحجارة الكبيرة والصغيرة، تمهيداً لإعادة استخدامها في ترميم أقسام من المعبد.
ومع مرور الوقت، أصبحت "أم سيتي" معروفة بوصفها عالمة آثار، على الرغم من أنها لم تكمل دراساتها الأكاديمية الرسمية في هذا المجال.
أم سيتي في زمن الفراعنة ربما يكون الجانب الأغرب في قصة دوروثي إيدي هو ما كانت تؤمن به بشأن حياتها السابقة. إذ قالت إنها كانت فتاة في الرابعة عشرة من عمرها، تعمل في حديقة الملك سيتي الأول، حين وقع نظر الملك عليها وأغرم بها.
وبحسب روايتها، جاءت الفتاة للعمل خادمة، قبل أن تصبح كاهنة في معبد الملك سيتي الأول، بعدما تخلى عنها والداها لعجزهما عن تربيتها. ولأن العلاقة بين الفتاة الخادمة والملك الفرعون كانت، وفق الأعراف السائدة آنذاك، غير شرعية، عوقبت وفصلت عنه. وتقول دوروثي إن الفتاة أقدمت لاحقاً على الانتحار، ما أدخل الملك سيتي الأول في حزن شديد على وفاتها.
وتذكر إيدي أن اسم تلك الفتاة كان "بنترشيت"، أي "بنت رشيد"، نسبة إلى المنطقة التي جاءت منها. وتضيف أن هذه الروح عادت إلى الحياة بعد أكثر من ثلاثة آلاف عام، متجسدة في جسد الطفلة دوروثي إيدي في لندن.
كما تزعم دوروثي أنها كانت تعرف معبد أبيدوس وحديقته وتفاصيله الدقيقة معرفة وثيقة، وتصف المكان كما لو كان منزلها، مؤكدة أن هذه المعرفة تعود، بحسب اعتقادها، إلى ذاكرة من حياتها السابقة.
وزعمت دوروثي إيدي أنها ساعدت علماء الآثار المصريين في الكشف عن آثار أو مواقع جديدة في أبيدوس، مستندة إلى معرفتها الدقيقة بتفاصيل المكان، وإلى قدرتها على قراءة اللغة المصرية القديمة وفك رموز الكتابة الهيروغليفية.
تقارب نظريات التقمص أو تناسخ الأرواح بالتشكيك من الناحية العلمية، ومع ذلك، لا تُعدّ دوروثي الحالة الوحيدة التي آمنت بعودة أرواح المصريين القدماء، ولا الوحيدة التي جاءت إلى مصر انطلاقاً من اعتقاد بحياة سابقة عاشتها في زمن الفراعنة.
ولم تطلّع بي بي سي على أدلّة تثبت مساهمة إيدي في اكتشافات أثرية في مصر. ولن يكون من الممكن التحقق من جميع مزاعمها، غير أننا حاولنا تتبّع بعض الشهادات والتواصل مع عدد من الشهود، في مسعى للتدقيق في ما قيل ويقال عن "أم سيتي".
زاهي حواس: "السيدة أسطورة لن تتكرّر" ومن بين أبرز علماء المصريات في مصر، يروي وزير السياحة والآثار المصري السابق زاهي حواس تجربته مع دوروثي إيدي في بدايات عمله الأثري، في شهادة نقلها إلى بي بي سي.
يقول حواس: "في شبابي، حين كنت في العشرين من عمري أو أكثر بقليل، كنت أعمل في العرابة المدفونة، أو أبيدوس، وكنت مرافقاً للبعثة الأميركية التابعة لجامعة بنسلفانيا في ذلك الوقت. وكانت دوروثي تزور البعثة باستمرار، ونشأت بيننا علاقة ود".
وتابع: "أول ما قامت به دوروثي أنها علمتني اللغة الإنجليزية. كانت تحضر لي روايات من منزلها، وتقول لي: اقرأها، وسأمتحنك بعد ثلاثة أيام. وكان لها فضل كبير في تعلمي اللغة الإنجليزية".
ويتابع حواس حديثه عن دوروثي إيدي، مشيراً إلى أنها كانت تتنقل دائماً برفقة شاب مصري ملقّب بحورس، يتولى حراستها والاهتمام بها.
ويقول: "كانت تضحك وتقول عن غفيرها إنه حبيبها".
ويضيف أنها أوصت لهذا الشخص بكل ما كانت تملكه من مال. ويشرح: "كان الزوار يعطفون عليها ويعطونها مالاً، وكانت تعطيه بدورها للفقراء. وكانت محبوبة من الناس في أبيدوس".
ويقول حواس إن دوروثي حدّثته عن طفولتها، وعن اعتقادها بأنها "كانت عشيقة للملك سيتي"، وأنها أُرسلت في صغرها إلى "مستشفى.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي
