مثّل الحراك بجنوب اليمن، أمس الجمعة، والذي تخطى حاجز المليون في تظاهرات لافتة بساحة العروض في العاصمة عدن، موقفا يحمل رسائل مزدوحة بحسب مراقبين تحدثوا لمنصة "المشهد"، مؤكدين وجود "وعي سياسي وشعبي" لدى أبناء الجنوب وكذلك "أجسام اجتماعية" ممانعة لمحاولات الإقصاء القسري الخارجي بحق المجلس الانتقالي الجنوبي، والتمسك بالإعلان الدستوري الذي تم الإعلان عنه مطلع العام.
استقلال جنوب اليمن وبحسب المصادر ذاتها التي تحدثت لـ"المشهد"، فإن الحشود المليونية التي خرجت أمس تؤكد على أن المجلس الانتقالي يتجاوز كونه "كيانًا سياسيًا" ليصبح معبّرًا عن "إرادة شعبية"، بينما يستند إلى "تفويض جماهيري" وحاضنة اجتماعية تعزز من قوته التفاوضية.
كما تكشف هذه التحركات عن ثنائية أخرى، متمثلة في "تماسك الصف الجنوبي" وترسيخ دعم المجلس الانتقالي كممثل للقضية، وذلك في مقابل ارتباك الأطراف الإقصائية وإخفاقها في قراءة الواقع، في وقت يبعث فيه الشارع الجنوبي برسالة واضحة ومباشرة مفادها أن أيّ تسوية سياسية لن تنجح من دون الاعتراف بإرادة شعب الجنوب وحقه في تقرير مصيره.
وكان رئيس المجلس الجنوبي الانتقالي عيدروس الزبيدي، قد دعا قبل يومين إلى الاحتشاد في ساحة العروض بعدن لتأكيد دعم الإعلان الدستوري، وضرورة الإفراج الفوري عن وفد المجلس الانتقالي المحتجز في العاصمة السعودية الرياض.
بيئة غير مواتية للحوار وحمَّل المجلس الانتقالي، الأربعاء الماضي، المملكة العربية السعودية، مسؤولية سلامة وفده المحتجز بالرياض، بحسب بيان صادر عن وزارة الخارجية بالمجلس الانتقالي الجنوبي، وجاء فيه أن السعودية اعتقلت "تعسفيًّا" وفده المكون من 50 شخصا، أثناء توجهه إلى الرياض، على خلفية دعوة الأخيرة له لتدشين حوار بين أبناء الجنوب.
وشدد البيان على أن استمرار الغارات الجوية السعودية بحق الجنوب لا يساهم في تهيئة بيئة مواتية للحوار، مطالبًا الرياض بالتوقف عن الهجمات الجوية غير المبررة.
كما ذكر البيان على حق أبناء الجنوب في تقرير مصيرهم، والذي يعد الأساس الجوهري لأي حوار سياسي.
رفض حل الانتقالي الجنوبي إذًا، الحراك الجنوبي المتصاعد يعكس حالة "وعي سياسي وشعبي" متقدم لدى أبناء الجنوب، ويؤكد أن المجلس الانتقالي لم يعد مجرد كيان سياسي، بل أصبح معبّرا عن إرادة شعبية واسعة، وفق ما يوضح رئيس مركز عدن للدراسات الإستراتيجية الدكتور عديل الطهيش، لافتا لـ"المشهد" إلى أن هذا الرفض القاطع لمحاولات حل المجلس الانتقالي الجنوبي يؤكد أن قضية "شعب الجنوب ليست مرتبطة بأشخاص أو ظروف مؤقتة، بل بمشروع وطني متجذر في وجدان الشارع الجنوبي، يستمد شرعيته من التفويض الشعبي وليس من الضغوط الخارجية".
كما أن وجود جسم اجتماعي وحاضنة شعبية واسعة للمجلس الانتقالي، يعني أن المشروع الجنوبي لم يعد حكرًا على النخب السياسية، بل أصبح قضية مجتمع بأكمله، بحسب رئيس مركز عدن للدراسات الإستراتيجية.
ويردف الطهيش: "هذه الحاضنة تمثل صمام أمان سياسي وشعبي، وتمنح المجلس قوة تفاوضية أكبر، وتؤكد أن أي محاولات لتجاوز إرادة الجنوبيين أو الالتفاف على قضيتهم ستواجه برفض جماهيري واسع".
فيما يرجح رئيس مركز عدن للدراسات الإستراتيجية الدكتور عديل الطهيش أن تسفر هذه التحركات عن تعزيز "وحدة الصف الجنوبي وترسيخ الموقف الشعبي الداعم للمجلس الانتقالي كممثل سياسي للقضية الجنوبية".
أما الرسائل التي تبعثها الأطراف الإقصائية، فهي تعكس "حالة ارتباك وفشل في قراءة الواقع الجنوبي، فضلا عن محاولة يائسة لإعادة إنتاج وصاية سياسية لم يعد لها مكان. في المقابل، يبعث الشارع الجنوبي برسالة واضحة مفادها أن أي تسوية سياسية لن تنجح من دون الاعتراف بإرادة شعب الجنوب وحقه في تقرير مصيره"، على حد قول الطهيش.
رسالة شعبية وسياسية ويتفق بالرأي ذاته الكاتب والمحلل السياسي اليمني صالح أبوعوذل، الذي يرى أن هذه التظاهرات الكبيرة والحاشدة التي خرج فيها الجنوبيون يوم الجمعة، تمثل "رسالة شعبية" واضحة برفض واسع للإجراءات التي اتخذها رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي تجاه شركائه داخل المجلس، وبما يعكس تصدعا متفاقما في مفهوم الشراكة السياسية التي تأسس عليها المجلس منذ البداية.
ويقول الكاتب والمحلل السياسي اليمني صالح أبوعوذل لـ"المشهد"، إن أي قراءة أعمق للمشهد الراهن تكشف عن أبعد مما قد يبدو ظاهريا، حيث إن ذلك الوضع يتجاوز "الخلافات الإدارية" أو "الترتيبات الأمنية"، إلى ما يمكن وصفه بـ"مغامرة غير محسوبة" تستهدف تصفية القضية الجنوبية من جذورها، عبر "مشاريع تحمل في جوهرها تدخلا سافرا في السيادة اليمنية، ومحاولة لإعادة هندسة الواقع السياسي والأمني في الجنوب وفق مصالح خارجية.
وعندما أطلق المجلس الانتقالي الجنوبي عملية تحرير وادي وصحراء حضرموت، جاء ذلك ضمن مناخ إقليمي يمكن وصفه بالمتفهم للعملية، لكن نقطة الانفجار لم تكن في العملية ذاتها، بل في السياق السياسي الموازي لها، وتحديدا الاتفاق الذي كان مزمعا توقيعه في مسقط بين السعودية و"الحوثي"، بحسب صالح أبوعوذل.
ويتابع: "القوى المحلية الشرعية كانت بعيدة عن هذا الاتفاق، وهو ما جعل الموقف الجنوبي رافضا له، ليس لأنه ينتقص من الجنوب وقضيته فحسب، بل لأنه يمنح "الحوثيين" عمليًا ما يقارب 80 % من موارد النفط في حضرموت وشبوة، في معادلة لا تُنتج سلاما بقدر ما تعيد توزيع النفوذ على حساب الشركاء في الداخل".
ومن هنا، كان من الضروري، وفق هذه المقاربة، من تحركات هدفها ضرب البنية السياسية والأمنية للقضية الجنوبية، لتسهيل تمرير الاتفاق وإزالة العقبات أمامه. لكن ما يحدث اليوم، في ظل الحراك الشعبي المتصاعد، يدفع المشهد نحو منزلق خطير، ليس على مستوى الداخل فقط، بل على مستوى الإقليم والعالم أيضا، كما يوضح الكاتب والمحلل السياسي اليمني أبوعوذل لـ"المشهد".
كما يشير إلى استهداف قوات مكافحة الإرهاب وتفكيكها، بما جعل البلد وخطوط الشحن الدولية عرضة لتصاعد الهجمات الإرهابية. ومع انهيار قوات النخبة في حضرموت، حصل تنظيم "القاعدة" على كميات كبيرة من الأسلحة النوعية التي كانت تستخدم في مكافحة الإرهاب، لتصبح اليوم في قبضة التنظيمات الإرهابية، بما ينذر بعودة الجنوب إلى دوامة العنف المفتوح.
ويختتم صالح أبوعوذل حديثه قائلًا إن "المطلوب اليوم هو إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الضربة السعودية لقوات مكافحة الإرهاب، والعودة إلى منطق الشراكة الحقيقية، ومعالجة الضرر الناتج عن هذه الحرب وتداعياتها، وقبل ذلك كله، تقع على السعودية مسؤولية الإفراج عن فريق التفاوض الجنوبي المحتجز لديها. إذ إنه ومن دون اتخاذ هذه الخطوات، سيصبح البحث عن حلول أمرا بالغ الصعوبة، خصوصا إذا ما غرقت المنطقة في فوضى واسعة، في ظل مؤشرات متنامية على عودة التنظيمات الإرهابية إلى الجنوب".
هذا المحتوى مقدم من قناة المشهد
