هناك لحظات في حياة المجتمعات لا ينهار فيها البناء دفعة واحدة، بل يتغير المعنى بهدوء. تتحول القيم إلى شروط، والحقوق إلى استثناءات، ويصبح الوصول إلى ما كان بديهيا مرتبطا بقدرة مؤقتة أو ظرف طارئ. في تلك اللحظات، يترك السؤال معلقا: متى بدأنا نقايض الإنسان بما يملك، لا بما يستحق؟
فالمنظومات لا تختبر في أوقات الرخاء، بل عند أول تعثر. هناك، يظهر الفرق بين ما نؤمن به نظريا، وما نمارسه عمليا، ويتحول الضعيف إلى أداة ضغط، لا طرفا في العلاقة.
نقول إن ما يحدث في بعض المدارس الخاصة لم يعد حالات فردية عابرة، بل أصبح سلوكا متكررا يمس جوهر العملية التعليمية. طلاب يحرمون من الكتب، ويمنعون من الدخول إلى الأنظمة التعليمية، ويستبعدون من الفصول الدراسية، فقط لأن ولي الأمر لم يكمل السداد، حتى وإن كان الطالب مجتهدا ومنضبطا ومتفوقا دراسيا. الأخطر أن بعض المدارس تشترط الدفع المسبق للسماح بالدخول أو لتسليم الشهادة، رغم استمرار الطالب في المدرسة نفسها وعدم انتقاله إلى جهة أخرى. هنا لا يعالج الخلاف المالي، بل ينقل مباشرة إلى الطالب، ويضرب اجتهاده في الصميم، ويؤثر على تحصيله العلمي، ويزرع داخله شعورا بالعقوبة والتمييز لا علاقة له بمستواه أو التزامه.
وفي كثير من الأحيان، لا يكون الحرمان مباشرا وصريحا، بل يأخذ شكلا أكثر قسوة: التمييز الصامت. يسمح للطالب بالحضور جسديا، لكنه يقصى معنويا. لا كتاب، لا منصة، لا مشاركة كاملة. يبدو حاضرا في الفصل، لكنه غائب عن التجربة التعليمية. هذا النوع من الإقصاء لا يظهر في التقارير، ولا يوثق في السجلات، لكنه يدمر الثقة ببطء، ويصنع فجوة خفية بين الطالب والمدرسة.
في هذه الممارسات، لا يعاقب التقصير إن وجد، بل يلغى السياق الإنساني كاملا. كثير من أولياء الأمور لا يرفضون الالتزام، بل يتعثرون ظرفيا. مرض طارئ، التزام مالي مفاجئ، فقدان دخل مؤقت. ومع ذلك، لا تفتح أبواب الحوار، ولا تمنح مساحات للتفاهم، بل تستخدم أبسط حقوق الطالب كأداة ضغط. هنا لا تدار العلاقة بعقلية التعليم، بل بعقلية التحصيل.
في هذه الحالات، يتراجع الاهتمام بالمناهج، وتصبح غير مكتملة، ويضعف التفاعل التعليمي، وكأن الرسالة الضمنية تقول إن التعليم يأتي بعد الدفع. هذا الواقع يفرض سؤالا لا يمكن تجاهله ولا القفز فوقه: هل هذه المدارس مؤسسات تعليمية تحمل رسالة، أم مشاريع.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة سبق
