بعد صدمة التضخم التي أعقبت الجائحة وأزمة الطاقة، دخلت أوروبا عام 2024 وهي تحاول موازنة أمرين متناقضين، وهما حماية القوة الشرائية من جهة، والحفاظ على تنافسية الشركات من جهة أخرى.
النتيجة كانت نمواً عاماً في الأجور، لكنه غير متكافئ، يعكس اختلاف الهياكل الاقتصادية ومستويات الإنتاجية بين دول الاتحاد.
جُمعت هذه المعلومات من يوروستات و.
شرق أوروبا: السباق الأسرع في زيادات الأجور جاءت الدول التي سجلت أكبر زيادات نسبية في الأجور من شرق ووسط أوروبا، تصدّرت رومانيا المشهد بزيادة بلغت 16.7%، لترتفع الأجور السنوية إلى 24,515 دولاراً، بسبب قطاعي الصناعة وتكنولوجيا المعلومات، رغم استمرار الفجوة بين المدن والريف. لحقت بولندا بها تقريباً بزيادة 16.5%، مع متوسط أجر بلغ 24,610 دولارات، مستفيدةً من قاعدة صناعية قوية وتكامل أعمق مع السوق الأوروبية.
سجلت بلغاريا رغم بقائها عند أدنى مستويات الأجور في الاتحاد بمتوسط 17,870 دولاراً، نمواً بنحو 14%، في إشارة إلى تأثير الاستثمارات الأجنبية وتوسّع الأنشطة الصناعية. رفعت لاتفيا الأجور 10% إلى 25,780 دولاراً، فيما سجّلت المجر 8% لتصل إلى 21,440 دولاراً، و سلوفاكيا 6.6% إلى 23,560 دولاراً.
حققت كرواتيا زيادة 8.3%، وليتوانيا 7%، و سلوفينيا 6.1%، وكلها تعكس مسار تقارب تدريجي مع مستويات أوروبا الغربية، وإن بوتيرة متفاوتة.
جنوب أوروبا: تعافٍ أبطأ لكنه مستمر في جنوب القارة، بدت الزيادات أكثر اعتدالاً، رفعت اليونان متوسط الأجور 5% إلى 20,850 دولاراً بدعم من السياحة والشحن والطاقة. سجلت إسبانيا زيادة 4.6% لتصل إلى 39,140 دولاراً، فيما ارتفعت الأجور في البرتغال 7% إلى 28,830 دولاراً.
بقيت إيطاليا عند الطرف الأبطأ بزيادة 2.7% فقط، رغم وصول المتوسط إلى 38,930 دولاراً، مع استمرار الفوارق الواضحة بين الشمال والجنوب.
شمال وغرب أوروبا.. رواتب مرتفعة ونمو أكثر هدوءاً الدول ذات الرواتب الأعلى واصلت الارتفاع ولكن بوتيرة أبطأ. سجلت فرنسا زيادة 2.4% ليصل المتوسط إلى 50,855 دولاراً. وارتفعت بلجيكا 3.2% إلى 69,250 دولاراً، وبلغت هولندا 51,100 دولار وفق منهجية وطنية مختلفة. في الشمال، سجّلت السويد نمواً بنسبة 4.5% إلى 54,040 دولاراً، و فنلندا 2.3% إلى 57,400 دولار. حققت أ لمانيا بثقلها الصناعي، زيادة 5.5% لتصل إلى 62,470 دولاراً، بينما جاءت النمسا بارتفاع 7.6% إلى 68,055 دولاراً.
أما القمة فبقيت في الدول الصغيرة مرتفعة الدخل، أيرلندا عند 70,900 دولار، الدنمارك عند 83,120 دولاراً، وأخيراً لوكسمبورغ التي تجاوز متوسط الأجور فيها 96,240 دولاراً، رغم كلفة المعيشة المرتفعة. تكاليف العمل بالساعة والحد الأدنى للأجور في الربع الأول من 2025
بدءاً من الأول من يناير كانون الثاني 2025، اعتمدت 22 دولة من أصل 27 في الاتحاد الأوروبي حداً أدنى وطنياً للأجور، فيما تبقى الدنمارك وإيطاليا والنمسا وفنلندا والسويد خارج هذا الإطار، معتمدة على المفاوضات الجماعية بدلاً من التشريع المباشر.
في الطرف الأدنى من السلم، تسجل عشر دول أجوراً شهرية تقل عن ألف يورو.
بلغ الحد الأدنى في بلغاريا 551 يورو، وهو الأدنى على مستوى الاتحاد، تليها هنغاريا عند 707 يوروهات، ولاتفيا 740 يورو، ورومانيا 814 يورو، وسلوفاكيا 816 يورو، وتشيكيا 826 يورو، وإستونيا 886 يورو، ومالطا 961 يورو، ثم اليونان 968 يورو وكرواتيا 970 يورو.
ست دول تقف في المنتصف، بأجور دنيا تتراوح بين ألف وألف وخمسمئة يورو شهرياً. في قبرص يبلغ الحد الأدنى ألف يورو، وفي البرتغال 1,015 يورو، وليتوانيا 1,038 يورو، وبولندا 1,091 يورو، وسلوفينيا 1,278 يورو، فيما تصل إسبانيا إلى 1,381 يورو.
في المقابل، تنتمي ست دول إلى فئة الأجور المرتفعة. فرنسا عند 1,802 يورو، وبلجيكا 2,070 يورو، وألمانيا 2,161 يورو، وهولندا 2,193 يورو، وأيرلندا 2,282 يورو، بينما تتصدر لوكسمبورغ القائمة بحد أدنى يبلغ 2,638 يورو شهرياً.
هنا، يبدو الفرق شاسعاً مقارنة بشرق أوروبا، إذ يصل الحد الأعلى إلى نحو 4.8 مرة الحد الأدنى.
تعكس البيانات الصادرة عن يوروستات استمرار ارتفاع تكاليف العمل بالساعة في الربع الأول من عام 2025، وإن بوتيرة أهدأ مقارنة بالذروات التي سُجلت في 2022 و2023. ففي منطقة اليورو، ارتفعت تكاليف العمل بنسبة 3.4% على أساس سنوي، وهو نفس المعدل المسجل لكل من الأجور والرواتب والمكوّن غير المرتبط بالأجور، ما يشير إلى زيادة متوازنة نسبياً في ضغوط التكلفة على أصحاب الأعمال.
أما على مستوى الاتحاد الأوروبي، فقد كان الارتفاع أقوى نسبياً، إذ زادت تكاليف العمل بالساعة بنسبة 4.1%، مدفوعة بشكل أساسي بارتفاع الأجور والرواتب بنسبة 4.2%، مقابل زيادة أقل في التكاليف غير المرتبطة بالأجور بلغت 3.8%. لماذا الشرق يكسب المعركة النسبية؟ الأرقام تكشف مفارقة واضحة، وهي الدول ذات الأجور المنخفضة هي التي تسجّل أعلى نسب نمو. لا يعود السبب فقط إلى انخفاض قاعدة الأجور، بل إلى تحوّل هيكلي حقيقي، يشمل انتقال الصناعات، توسّع قطاع التكنولوجيا، وضغوط نقص العمالة، في المقابل، الدول الغنية تركز على الاستقرار أكثر من القفزات السريعة، ما يفسر نموها الأبطأ لكن الأكثر استدامة.
في 2024، لم يكن السؤال من يدفع الرواتب الأعلى، بل من يرفعها أسرع، والإجابة بوضوح هي شرق ووسط أوروبا. هذا الاتجاه، إذا استمر، قد يعيد رسم التوازن داخل الاتحاد الأوروبي خلال العقد المقبل، مع فجوة أضيق في الدخول، لكن بتحديات جديدة تتعلق بالإنتاجية والتضخم والقدرة التنافسية.
هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية
