لجأت الحكومة العراقية إلى خطوة أخيرة قبل الطرح العالمي لمشروع مترو بغداد، تمثلت بتوجيه رسمي لإعداد «ورقة نهائية وأخيرة» بشأن المشروع الذي راوح مكانه لعقود، ويستهدف نقل نحو 5 ملايين راكب يومياً وتغطية 85% من مساحة العاصمة، بكلفة أولية تقدّر بنحو 18 مليار دولار.
ويرى خبراء عراقيون تحدثوا لـ«إرم بزنس» أن المشروع دخل مرحلة حسم فاصلة تمهيداً للانتقال من دوامة الدراسات إلى التنفيذ، في وقت تعاني فيه بغداد ازدحاماً مرورياً متفاقماً، مؤكدين أن التحديات المالية تبقى الأبرز، رغم التعهدات الحكومية ببدء التنفيذ خلال العام الحالي، على أن يكتمل المشروع بين عامي 2029 و2030.
مترو بغداد.. هل يُبصر النور بعد 4 عقود من الخطط؟
إجراء أخير
وجّه رئيس مجلس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، في 31 ديسمبر الماضي، بإعداد «ورقة نهائية أخيرة بشأن مشروع مترو بغداد»، والعمل مع مؤسسات دولية مثل مؤسسة التمويل الدولية (IFC) أو البنك الأوروبي للاستثمار لتقييمها، وتكليفها بإعداد حقيبة استثمارية جديدة بالتعاون مع الجهات العراقية المعنية، تمهيداً لاتخاذ القرار المناسب.
وجاء هذا التوجيه، بحسب بيان حكومي، بعد مناقشة تقرير أعدّه صندوق التنمية بالتعاون مع مؤسسات دولية وشركات نفذت مشاريع مترو في تركيا والصين، إضافة إلى إعادة تقييم شاملة للعروض السابقة، خلصت إلى عدم استيفائها المتطلبات الفنية والتمويلية لمشروع بهذا الحجم.
وفي حديث لـ«إرم بزنس»، قال الخبير الاقتصادي في «معهد الإصلاح» ببغداد، علاء الفهد، إن «مشروع مترو بغداد أصبح ضرورة ملحّة في ظل التزايد الكبير بعدد السيارات والاختناقات المرورية المتكررة»، معتبراً أن إعداد الورقة الأخيرة يمثل «انتقالاً من مرحلة الدراسات الاستشارية إلى محاولة حسم جدي للتنفيذ».
وأشار الفهد إلى أن الدراسات السابقة «لم تنجح في تقديم حلول استراتيجية قابلة للتطبيق»، لافتاً إلى أن الفوائد الاقتصادية المتوقعة للمشروع، من تسريع حركة النقل وتحفيز مشاريع مرافقة وتقليل الهدر الزمني والوقودي، تعزز فرص دخوله حيّز التنفيذ، رغم أن التحدي المالي سيبقى حاسماً، ويمكن تجاوزه عبر شراكات مع القطاع الخاص ومؤسسات دولية، شريطة أن ترتقي العروض إلى مستوى المشروع الاستراتيجي.
ومطلع يناير الجاري، كشف مستشار رئيس الوزراء لشؤون الاستثمار، محمد النجار، أن العروض التي قُدمت سابقاً من شركات أجنبية «استُبعدت رسمياً لعدم ارتقائها لمعايير الاستدامة»، موضحاً أن الحكومة تتجه لاعتماد نموذج المحفظة الاستثمارية لضمان شراكة تمتد إلى 30 عاماً، في ظل اهتمام مؤسسات كبرى مثل البنك الدولي والبنك الأوروبي للإعمار.
منظر جوي لنهر دجلة الذي يقسم العاصمة العراقية بغداد يوم 12 يونيو 2025
عقبات وفرص
أقرّ النجار بأن مشروع مترو بغداد اصطدم تاريخياً بعقبات سياسية وفنية ومالية، أبرزها الحروب وغياب الموازنات الكافية، فضلاً عن اعتماد دراسات قديمة غير واقعية اقتصادياً، بنيت على فكرة الإنشاء الكلي تحت الأرض.
وأضاف أن التحول الديموغرافي الكبير في بغداد، مع ارتفاع عدد السكان من نحو 3 ملايين إلى قرابة 10 ملايين نسمة، واتساع حدود المدينة إلى مناطق جديدة، فرض إعادة تصميم شاملة للمسارات والخطط.
من جانبه، قال مدير مركز الدراسات الاستراتيجية والسياسات العامة في العراق، ماهر الخليلي، لـ«إرم بزنس»، إن مشروع مترو بغداد «ملف معقد وشائك، طُرح منذ الثمانينيات وتكرر ظهوره في محطات متعددة بين 2006 و2024 دون أن يرى النور»، مرجعاً ذلك إلى الأزمات السياسية والأمنية والمالية المتعاقبة.
وتوقع الخليلي أن يدخل المشروع مرحلة التنفيذ في 2026 إذا التزمت الحكومة الحالية بوعودها، على أن يكتمل بين 2029 و2030.
تاريخ طويل من التعثر
وطُرح مشروع مترو بغداد للمرة الأولى في ثمانينيات القرن الماضي، وكان مقرراً اختباره عام 1986، قبل أن تعرقله الحرب العراقية-الإيرانية. ومنذ ذلك الحين، تكرر طرحه عبر شركات ألمانية وفرنسية وكورية، ومحاولات حكومية متعاقبة بين 2006 و2022، دون أن تترجم تلك المساعي إلى تنفيذ فعلي، وفق ما أوردته صحيفة «السومرية» المحلية.
العراق يختار ائتلافاً عالمياً لتنفيذ مشروع "مترو بغداد"
عراقيل مؤسسية
ويرى الخبير الاقتصادي نبيل جبار التميمي، أن انتقال ملف المشروع بين وزارة النقل وأمانة بغداد وصولاً إلى صندوق التنمية «يعكس فشل المؤسسات السابقة في وضع خطة تنفيذ قابلة للتطبيق»، معتبراً أن تولي صندوق التنمية الملف يعني عملياً «العودة إلى نقطة الصفر».
وأضاف أن مدينة بحجم بغداد، تضم قرابة 10 ملايين نسمة وتستقبل يومياً نحو مليوني زائر، لا يمكن أن تستمر دون نظام نقل جماعي فعّال، مؤكداً أن تنفيذ المترو سيخفض كلف النقل، ويرفع كفاءة الإنتاج، ويقلل الهدر في الوقت والوقود، بما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد العراقي.
مشروع ضخم
ويُعد مترو بغداد من أضخم مشاريع النقل في المنطقة، إذ يشمل 7 خطوط متقاطعة، ويمر عبر 64 محطة، مع عبور الأنهار في ثلاث نقاط، إضافة إلى 4 مواقف سيارات بطاقة استيعابية تبلغ 10 آلاف سيارة لكل موقف، وبكلفة أولية تقدّر بـ18 مليار دولار، وفق مستشار ر\بئيس الوزراء لشؤون النقل ناصر الأسدي.
ويراهن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني على المشروع باعتباره «أحد أهم مشاريع النقل الاستراتيجية الداعمة لمختلف القطاعات الاقتصادية»، بحسب تصريحات رسمية أدلى بها نهاية 2025.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

