ساعات الشاشة بين المكاسب والخسائر.. كيف يؤثر الإفراط الرقمي على الصحة والاقتصاد؟

في عصر الهيمنة الرقمية، يقضي الشخص العادي أكثر من 7 ساعات يومياً أمام الشاشات، بينما يصل متوسط جيل زد إلى نحو 9 ساعات، مع تداعيات صحية خطيرة تشمل تدهور النوم، وزيادة قصر النظر، وفقدان التركيز، ومع ذلك لا يمكن تجاهل المكاسب الاقتصادية التي توفرها هذه التكنولوجيا، من التعليم الإلكتروني إلى التجارة الرقمية.

لكن السؤال المحوري اليوم: كيف يمكن تحقيق توازن رقمي يحمي صحة الأجيال المقبلة دون التضحية بالفرص الاقتصادية الهائلة؟

تكشف إحصائيات ماغنيت Magnet، أن الأميركي العادي يقضي نحو 7 ساعات و4 دقائق يومياً أمام الشاشات، وهو رقم يفوق قليلاً المتوسط العالمي البالغ نحو 6 ساعات و40 دقيقة.

وتمثل هذه الزيادة تحولاً ملحوظاً مقارنة بالسنوات السابقة، إذ ارتفع وقت الشاشة اليومي بنحو 50 دقيقة منذ عام 2013.

وعلى مستوى الفئات العمرية، تبرز فئة «جيل زد» بمتوسط يقارب 9 ساعات يومياً أمام الشاشات.

وعند تفصيل الاستخدام حسب نوع الجهاز، يقضي الأفراد حول العالم نحو ساعتين و51 دقيقة أمام شاشات الحاسوب، و3 ساعات و46 دقيقة على الأجهزة المحمولة.

كما تشير الدراسات إلى أن أكثر من ثلث تلاميذ المدارس في بعض الدول العربية، من سن 4-17 سنة، يقضون أكثر من سبع ساعات يومياً أمام أجهزة إلكترونية.

تُثير هذه معدلات القلق بالتأكيد، خاصة مع توصيات منظمة الصحة العالمية التي تحذر من تجاوز الساعة الواحدة يومياً للشاشات لدى الأطفال الصغار.

والواقع الحالي يبرهن أن كثيرين لا يلتزمون بهذه التوصية، ما يشكل تحدياً حقيقياً أمام صانعي السياسات لتحقيق التوازن بين المكاسب الرقمية والمحافظة على الصحة.

زيادة وقت الشاشة عبر السنوات يتضح اتجاه تصاعدي في وقت الشاشة عبر مختلف الفئات العمرية، فمقارنة البيانات بين عامي 2013 و2024 تشير إلى ارتفاع الاستخدام اليومي للشاشات بنحو 31 دقيقة عالمياً، ليشكل الآن أكثر من 40% من ساعات اليقظة. ويحمل هذا النمو دلالات مهمة، لا سيما بالنسبة للمستخدمين الأصغر سناً.

وتفيد مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها بأن الأطفال بين 8 و18 عاماً يقضون في المتوسط 7.5 ساعة يومياً أمام الشاشات.

ويعكس ذلك ارتفاعاً عاماً في التفاعل الرقمي، يُعزى بدرجة كبيرة إلى فترة الجائحة، إذ أفاد كثيرون بأن استخدامهم للشاشات تضاعف مقارنة بما كان عليه سابقاً.

مقارنات بين الدول تختلف عادات وقت الشاشة بشكل كبير بحسب الموقع الجغرافي، إذ يسجل سكان جنوب إفريقيا أعلى متوسط بنحو 10 ساعات و46 دقيقة يومياً، بينما يقترب المتوسط في الفلبين من ذلك عند نحو 10 ساعات و27 دقيقة. وفي المقابل، تسجل دول مثل اليابان متوسطاً منخفضاً نسبياً لا يتجاوز 3 ساعات يومياً، ويبرز هذا التفاوت أنماطاً ثقافية مختلفة، ومستويات متباينة من إتاحة التكنولوجيا، وتأثيرات نمط الحياة على استهلاك وقت الشاشة.

ومع ازدياد وقت الشاشة عالمياً، تتصاعد المخاوف بشأن تأثيره على الصحة، لا سيما الصحة النفسية، ما يعزز الحاجة إلى استخدام واعٍ للتكنولوجيا.

اختلافات وقت الشاشة حسب الجيل يختلف وقت الشاشة بشكل ملحوظ بين الأجيال، مع اتجاهات واضحة تشير إلى استخدام أعلى بين الفئات الأصغر سناً، ووفقاً لبيانات حديثة، يسجل المراهقون بين 12 و17 عاماً متوسط وقت شاشة يبلغ 4 ساعات أو أكثر يومياً، إذ يقضي 41% منهم أكثر من 8 ساعات يومياً على أجهزتهم. وفي المقابل، يقضي جيل طفرة المواليد نحو 3 ساعات و31 دقيقة يومياً، ليكون الأقل استخداماً للشاشات، في حين يسجل جيل الألفية متوسط 6 ساعات و42 دقيقة، ويقضي جيل إكس نحو 169 دقيقة يومياً. ويبرز ذلك فجوة جيلية واضحة في عادات استخدام الشاشات، توضح مدى تغلغل التفاعل الرقمي في حياة الشباب مقارنة بالأجيال الأكبر سناً.

كم يبلغ وقت الشاشة اليومي المعتاد لجيل زد؟ يقضي جيل زد، المولود بين عامي 1996 و2010، نحو 9 ساعات يومياً أمام الشاشات، وهو معدل أعلى بشكل ملحوظ من متوسط الأميركي البالغ 7 ساعات و4 دقائق في عام 2024. وقد أثار هذا الارتفاع مخاوف بشأن تأثيره على الصحة والنمو المعرفي، لا سيما مع إظهار الدراسات أن الإفراط في استخدام الشاشات قد يؤدي إلى تأخر لغوي وتراجع الأداء الأكاديمي لدى الأطفال.

الحصانة المعرفية والنوم تشير الدراسات إلى أن الإفراط في استخدام الشاشات ينعكس سلباً على قدرات الدماغ والتركيز، خصوصاً لدى الصغار.

فقد حذّرت أبحاث بريطانية من أن الأطفال بعمر السنتين الذين يقضون نحو 5 ساعات يومياً أمام الشاشات قد يواجهون مشكلات سلوكية وتأخراً لغوياً مقارنة بأقرانهم الذين يقضون أقل من ساعة.

أما بالنسبة للمراهقين والبالغين، فتهدد الساعات الطويلة أمام الشاشات نوعية النوم، إذ يعمل ضوء الشاشات الأزرق على تثبيط إفراز الميلاتونين، فيضعف بذلك فرصة الحصول على نوم عميق وكافٍ.

وقد يؤدي الإهمال المستمر لهذه العادات إلى تدهور الأداء الدراسي والمهني بمرور الوقت.

كما أن فيض المعلومات لم يعد ميزة دائماً، التدفق المستمر للأخبار والمحتوى، خصوصاً السلبي، يزيد مستويات التوتر والقلق لدى بعض المستخدمين. المقارنات الاجتماعية عبر منصات التواصل، والإحساس الدائم بضرورة المتابعة، يخلقان ضغطاً نفسياً مزمناً قد يمر دون أن يلاحظه صاحبه.

الشاشات لا تستهلك الوقت فقط، بل تنشّط نظام المكافأة في الدماغ، كل إشعار أو تمرير سريع يطلق الدوبامين، ما يدفع المستخدم إلى طلب المزيد، هكذا تتحول الدقائق إلى ساعات من التصفح اللانهائي، في حلقة يصعب كسرها.

النسيان، والتشتت، وصعوبة التركيز باتت شكاوى شائعة، كثرة الإشعارات وتعدد المهام والضوء الأزرق كلها عوامل تسهم في ما يُعرف بـ«ضباب الدماغ»، الحل غالباً بسيط في شكله، صعب في تطبيقه: فواصل منتظمة لإعطاء الدماغ فرصة لإعادة الضبط.

صحة العين وقصر النظر لا تقل المخاطر البصرية أهميةً عن المخاطر المعرفية، فهناك ارتباط واضح بين طول وقت الشاشة وارتفاع معدلات قصر النظر. فقد أكّد تحليل حديث أن كلّ ساعة إضافية يومياً أمام الشاشات تزيد احتمالية الإصابة بقصر النظر بنحو 21%، وترتفع هذه النسبة كلما طال الوقت.

ويتوقع خبراء العيون أن يصاب نحو نصف سكان العالم بقصر النظر بحلول عام 2050 نتيجة الاتجاهات الحالية.

وفي بعض الدول العربية عالية الاستهلاك الرقمي، قد يستخدم 97% من السكان الهواتف الذكية، من المرجح أن تتصاعد هذه الظاهرة.

وتبقى النتيجة محتملة بأن تتحمل أنظمة الرعاية الصحية عبئاً إضافياً من جراء المضاعفات البصرية طويلة الأمد كالانفصال الشبكي والمياه الزرقاء التي تصاحب قصر النظر المزمن.

التكلفة الاقتصادية للنظر الرقمي من الناحية الاقتصادية، لا يمكن تجاهل التكلفة الخفية لاستخدام الشاشات، فقد قدّر تقرير لديلويت أن تكلفة المشكلات الصحية والإنتاجية الناتجة عن الاستخدام المفرط للشاشات في الولايات المتحدة تجاوزت 151 مليار دولار سنوياً حتى عام 2023. وهذا يعكس خسائر كبيرة في إنتاجية العاملين ونفقات صحية إضافية، ولحسن الحظ أظهر التقرير أن حلولاً بسيطة يمكن أن تقلّص جزءاً من هذا العبء.

فالفحص البصري الدوري للموظفين قد يستعيد نحو 45.5 مليار دولار في الإنتاجية سنوياً، ويوفر نحو 26.3 مليار دولار في نفقات الرعاية الصحية.

حظر الشاشات أم تنظيم الاستخدام؟ تثير الإجراءات الأخيرة بشأن تقييد منصات رقمية شهيرة سؤالًا جوهرياً وهو ماذا لو تمّ حظر الشاشات الرقمي تماماً؟ في مثل هذا السيناريو، ستتوقف قطاعات مهمة كالتعليم الإلكتروني والتجارة الإلكترونية والإعلانات الرقمية فجأة. فمثلاً، يتوقع أن يصل حجم الاقتصاد الرقمي في السعودية إلى 87 مليار دولار بحلول 2025، وهو رقم سيضيع في حال الإغلاق التام، فضلاً عن توقف آلاف الشركات الناشئة والوظائف التقنية.

ومع ذلك، قد تنخفض بعض الأعباء الصحية تدريجياً إذ يحلّ وقت استثماره في نشاطات تقليدية، السيناريو المعقول هو التنظيم المدروس، وهوتعزيز الرقابة وفرض قواعد وقت معقولة مع حملات توعية مستمرة.

فقد أثبتت بعض المدارس التي منعت الهواتف أثناء الدوام تحسناً طفيفاً في تركيز الطلاب، رغم تحفظات الأهالي في البداية.

ويبدو أن الحل الأنسب يكمن في الموازنة بين المنافع الرقمية والسلامة الصحية، بدلاً من الحظر الكلي.

الخلاصة أن مسؤولية «التوازن الرقمي» اليوم مشتركة، فالاقتصاد العربي يعتمد بدرجة كبيرة على التكنولوجيا. قد وفّرت التكنولوجيا فرصاً تعليمية واقتصادية هائلة، ومع ذلك تظل التوعية بحدود معقولة لوقت الشاشة ضرورية لحماية الأجيال القادمة.

من الحلول المقترحة برامج تربوية في المدارس تشرح فوائد الاستخدام الرشيد، إلى جانب تشجيع العائلات على فترات خالية من الأجهزة قبل النوم.

باختصار، الفوائد الرقمية تولّد ثماراً اقتصادية، لكن الحفاظ على صحة الدماغ والعين يتطلّب وعياً وتوجيهاً مجتمعياً متوازناً.


هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من منصة CNN الاقتصادية

منذ ساعة
منذ 5 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 9 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 6 ساعات
قناة CNBC عربية منذ ساعتين
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 4 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 4 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 7 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 9 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 6 ساعات
قناة العربية - الأسواق منذ 3 ساعات
منصة CNN الاقتصادية منذ 9 ساعات