ليست الصحراء كل أرض خالية قاحلة ونادرة السكان أوشحيحة بمواردها الطبعية، وليست تلك الأراضي المخفية بين الفيافي والوهاد تختفي كالسراب، وتملأ النفس خوفًا ووحشة، كما تعلمنا في المدارس.
تبقى الصحراء رغم كل هذا رمزًا للحياة ورونقها بالنسبه لنا، كبارنا وصغارنا فهي متنفس الحياة، وهي المكان الذي نجد فيه أنفسنا، نرتحل إلي الصحراء تاركين هموم المدنية وضجيجها، وكأننا ذاهبون الي جهاز لنتناسي الهموم ومشقـات الحياة، فالصحراء هى حياتنا، فيها موطننا وموطن آبائنا وأجدادنا وأسلافنا الأوائل، فيها حيينا وفيها معيشتنا.
منذ بدء عملى مفتشًا للآثار الإسلامية والقبطية بمطروح منذ ٢٥عاما، يساورنى سؤال واحد لم أجد إجابة له إلا مؤخرًا، ألا وهو: لماذا لا توجد آثار ثابتة مدنية (دور أو قصور) أو مبان عسكرية (قلاع أو حصون) أو دينية (مساجد أو أضرحة او تكايا) علي طول هذا الساحل، ألم يكن مسكونا؟.
ومن خلال عملى قمت بعمل مسح أثرى شامل للساحل من الحمام شرًقا للسلوم غرًبا، وكنت دائما أًصاب بخيبة أمل، فمعظم الاكتشافات كانت من العصر الرومانى أو البيزنطى، كيف هذا وإقليم برقة الذى يبدأ من غرب الإسكندرية وحتى بنغازى، كان من أهم الأقاليم في العصر الإسلامى بعد فتحه علي يد عمرو بن العاص سنة ٢١ - ٢٢ هـ، وضمها للدولة الإسلامية، وفيه دارت معارك شهيرة في زمن الفتوحات ومنها موقعة "ذات الصوراى"، ودارت بـ "رأس الحكمة" حاليَا، إلا إننى وجدت الإجابة في كتابات الرحالة والمستشرقين.
أما العبدري (٦٨٨هـ ـ-١٢٨٩م) فقال في ثنايا رحلته:"ومما يلي الإسكندريه من هذه الأرض العقبة الكبيرة وبينها وبين الإسكندرية عشرة أيام، ثم العقبة الصغيرة وبينها وبين الكبيرة ستة أيام، ومنها إلى الإسكندرية أربعة وكلتاهما خلاء لا ساكن بها ولامسكن وأكثر مواضع هذه الأرض، هكذا أسامٍ بلا مسميات وهي برية واحدة ممتدة إلى الإسكندرية".
ودون العياشي هذه السطور في رحلته "ماء الموائد" عام ١٦٦٣ميلادية: "أرض برقة منقسمة في عرف أهلها على أقسام : أولها من حسان إلى وراء الاحمد بيومين يسمى سرت ،،، ومن هناك إلى قرب المنعم يسمى برقة البيضاء، ومن هناك إلى سلوق يسمى برقة الحمراء، ومنه إلى التميمي يسمى الجبل الأخضر ومنه إلى العقبة يسمى البطنان ومن العقبة الكبري إلى الصغرى يسمى بين الأعقاب ومن العقبة الصغرى إلى الإسكندرية يسمى العقبة الصغرى.
وورد في الرحلة الناصرية لأحمد بن محمد بن ناصر الدرعي (١١٩٦هـ-/ ١٧٨٢م): "لقد كانت أراضي برقة مع اتساعها وقلة ساكنها ورطوبة أراضيها وطيب هوائها، وكثرة خصبها وجودة زرعها وقلة مرضها و نذور قومها، كثيرة القراض والخشاش من العقارب والحيات والخنافس والاحناش، لاتكاد تسير ميلا أو فرسخا الا وتقع على قرية من القرى، وآبار ومآذن منقورة في الصلد من الحجارة نقرًا، وبيوتًا منحوتة وكثيرًا ما يظهر الجن لمن تاه بها جهاراً، يسكنها أحياء من الجفاة لا يرى منهم الحاج ضرراً الإ في النادر، ألستنهم باقية على أصلها لم تتبلبل ولاعرف نسائهم في التبرقع قد تبدل".
والعقبة الكبرى هي السلوم، والعقبة الصغرى شرقي مطروح (رأس الكنايس) أو ما يُعرف الآن بـ"رأس الحكمة"، وبين الأعقاب: هي المنطقة الممتدة من السلوم غربًا وحتى مطروح شرقاً،
مرمريكا وبرقة مرمريكا، هو اسم قديم لشبه الجزيرة المرمريكية (الجزء الشرقي لمدينة طبرق حاليا)، سُميت بهذا الاسم نسبة إلى إقليم مرمريكا، وسُمي هذا الاقليم نسبةً لقبيلة المارماريك التي كانت تسكن الإقليم قديمًا، يمتد الاقليم الميرماريكي من العامرية (غرب الإسكندرية)، ويشمل سيوة والجغبوب وصحرائها - وحتى سوسة (غربي مدينة درنة) - ويشمل من الجبل عين مارة والقبة - بعاصمتيه طبرق ومطروح (العقبة).
ويسكن هذا الإقليم اليوم بالقطر المصري قبائل أولاد علي بصفة عامة، وأحلافهم داخل كونفدرالية القبلية لأولاد علي والسعادي البيض داخل مرماريكا ككل، بالاضافة للمرابطين البيض داخل الاقليم، وبالقطر الليبي اليوم يسكنه قبائل أشهرها (المنفة، الشهيبات، الشواعر البيض، الشواعر الحمر العبيدات البيض، العبيدات الحمر، القطعان، السعيطات، أحضور، درنة، الحاسة (سوسة فقط).
تنقسم التربة بـ«مارماريكا» إلى تربة بيضاء وحمراء، كما هو الحال بسيرنايكا، وتبدأ التربة الحمراء من مرتوبة ولحد سوسة، وهي أرض مقدسة للمسيحين، بل الإقليم بأكمله بحكم أنه مكان ولادة القديس مرقص، بالتحديد في وادي لموش «الأثرون»، ودائما ما تم الخلط بين هذه المنطقة بين سيرنايكا ومرمريكا بحكم التقارب في الحدود، وذلك في ضوء خريطة فرنسية رُسمت خلال القرن الثامن عشر، وهي خريطة مشتركة بين القطرين المصري والبرقاوي (سيرنايكا ومرمريكا).
لم يكن أهل الساحل من البدو الرُّحل الذين عجزوا عن إنشاء مدن وتجمعات حضارية وسكنوا الخيام، وإنما أبدعوا في بناء القصور والقلاع والتحصينات، ولكن نظرا لتمردهم الدائم علي الولاة العثمانيين في القاهرة وعدم دفعهم للضرائب أدى ذلك لدك قصورهم وحصونهم، بل واستدعى الأمر في النهاية تهجيرهم للبحيرة في عهد الوالى محمد علي باشا، وإليكم شهادات بعض المستشرقين:
بدوره يقول المستكشف الفرنسي ج. ريمون 1824م:"هناك بنايات متواضعة في هذه المنطقة يقيمها البدو من الأحجار التي يقتلعونها من سفوح التلال أو من باطن الأرض ويخلطونها بالطين، أما الأسقف فتغطى بتبن البحر بعد تجفيفه ومزجه بالطين والوحل، يوجد على قمة التلة التي تحاذي الوادي بعض البقايا الأثرية لعدد اثنين من المباني التي لم يبقى منها شيء قائم سوى القواعد فقط، ويُدعى أحد هذه المباني (قصر بوسويطي Bou souety)، وهو على اسم أحد شيوخ عشيرة العشيبات، لقد أقام ذلك الشيخ لمدة طويلة في هذا المحل، حيث كان يتعهد البساتين ويعتني بأشجار النخيل والتين بفضل تلك الآبار المنتشرة في هذه المنطقة".
ويُكمل في موضع آخر:"كنت قد ذكرت سابقاً أن مرسى بريك (مطروح) كانت اهّلة بالسكان حين حولها أولاد علي مستودعاً لتجارتهم، ولخصوبة المنطقة يقصد (القصر) وقربها من مرسى بريك جلبت النجوع التي كانت تغطي آنذاك منطقة الساحل، وكان قصر بوسويطي محصنا وسط تلك الأنقاض، غير أن تلك التحصينات تعرضت هي الأخرى للدمار، كما لقي سكانه نفس المصير الذي لقيه سكان (مرسى بريك) آبان الكارثة الذي ذكرتها آنفاً، وقد قام محمد علي بإستدعاء الشيوخ وإجبار القبائل على الهجرة من مطروح للإقامة في الإسكندرية و دمنهور، ثم قيام البوارج الحربية بقصف القصور والتحصينات التي أقامها العرب على الساحل".
يتحدث ريمون أيضَا فيدون يوميات رحلته فيقول:"في اليوم السادس عشر، وبعد مسيرة ست ساعات في اتجاه شمال غرب القصبة الزرقاء (القصابة، وصلت قافلتنا إلى مرفأ.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من بوابة الأهرام




