في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع التكنولوجيا العالمي، باتت كبرى الشركات مطالبة بإعادة تقييم استراتيجياتها الاستثمارية واتخاذ قرارات حاسمة توازن بين الطموح والواقع المالي. وتأتي قرارات شركة «ميتا» الأخيرة بشأن تقليص قوتها العاملة وإعادة هيكلة استثماراتها بعد خسائر ضخمة لتسلّط الضوء على التحديات التي تواجهها الشركات عند المراهنة على تقنيات مستقبلية لم تنضج بعد مقابل الصعود المتسارع للذكاء الاصطناعي كخيار أكثر واقعية وربحية.
بعد سنوات من الرهانات الضخمة على عالم الميتافيرس، وجدت شركة «ميتا» نفسها أمام واقع مالي صعب أجبرها على اتخاذ قرارات قاسية تتعلق بإعادة هيكلة قوتها العاملة. فبعد أن تجاوزت خسائر وحدة (Reality Labs) أكثر من 73 مليار دولار، بدأت الشركة في تقليص عدد الموظفين وإعادة توجيه استثماراتها نحو مجالات تراها أكثر ربحية واستدامة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي.
خلفية الخسائر الضخمة
منذ عام 2020، ضخت «ميتا» مليارات الدولارات في تطوير تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز، أملاً في أن يصبح الميتافيرس مستقبل الإنترنت والتفاعل الاجتماعي. إلا أن هذه الرؤية الطموحة لم تحقق العوائد المتوقعة، حيث فشل العديد من المنتجات في جذب المستخدمين على نطاق واسع، في حين استمرت التكاليف التشغيلية في الارتفاع بشكل حاد.
وحدة (Reality Labs)، المسؤولة عن تطوير نظارات (Quest) ومنصات مثل (Horizon Worlds)، كانت الأكثر تأثراً، إذ سجّلت خسائر سنوية متراكمة وضعت ضغوطاً كبيرة على أرباح الشركة الإجمالية، رغم الأداء القوي للإعلانات الرقمية على فيسبوك وإنستغرام.
قرارات تسريح وإعادة هيكلة
في ضوء هذه التحديات، اتخذت «ميتا» قراراً بتقليص عدد الموظفين في وحدة (Reality Labs)، حيث شملت التخفيضات ما يقارب 10% من العاملين في هذه الوحدة، أي نحو 1,500 موظف. ويأتي هذا القرار ضمن استراتيجية أوسع لإعادة الهيكلة تهدف إلى خفض التكاليف وتحسين الكفاءة التشغيلية.
كما شملت الإجراءات إيقاف أو تقليص عدد من المشاريع والمنتجات التي لم تحقق النجاح المتوقع، ومن أبرزها إغلاق تطبيقات عمل افتراضية كانت موجهة للشركات والمؤسسات.
بالتوازي مع تقليص استثمارات الميتافيرس، أعلنت «ميتا» بوضوح أن الذكاء الاصطناعي أصبح أولوية استراتيجية قصوى. فالشركة تسعى إلى تعزيز قدراتها في مجالات مثل النماذج اللغوية الكبيرة، وأدوات إنشاء المحتوى، وتحسين أنظمة الإعلانات، إضافة إلى دمج الذكاء الاصطناعي في الأجهزة القابلة للارتداء مثل النظارات الذكية.
هذا التحول يعكس إدراك الإدارة بأن الذكاء الاصطناعي يمتلك فرصاً تجارية أسرع وأكثر وضوحاً مقارنة بالميتافيرس، الذي لا يزال بحاجة إلى سنوات قبل أن يحقق انتشاراً واسعاً وربحية حقيقية.
على خلفية شعارات ميتا وواتساب وإنستغرام وفيسبوك، يظهر في الصورة مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لشركة ميتا يلقي محاضرة.
ردود فعل السوق والموظفين
لقيت هذه القرارات ردود فعل متباينة. فمن ناحية، رحب المستثمرون بخطوات خفض التكاليف والتركيز على مجالات مربحة، ما ساهم في دعم ثقة السوق بإدارة الشركة. ومن ناحية أخرى، أثارت عمليات التسريح قلقاً بين الموظفين، خاصة أولئك الذين انضموا إلى «ميتا» بدافع العمل على مشاريع مستقبلية طموحة.
إلا أن ما يحدث في «ميتا» يعكس ظاهرة أوسع في قطاع التكنولوجيا، حيث بدأت الشركات الكبرى في مراجعة رهاناتها طويلة الأجل والتركيز بشكل أكبر على الكفاءة والربحية. فبعد موجة من التفاؤل والإنفاق المكثف، أصبح الانضباط المالي هو العنوان الأبرز للمرحلة الحالية.
من هنا، يمثل قرار «ميتا» تقليص قوتها العاملة بعد خسائر تجاوزت 73 مليار دولار نقطة تحول مهمة في مسار الشركة. فبينما لم تتخلَ تماماً عن رؤية الميتافيرس، إلا أنها باتت أكثر واقعية في إدارة استثماراتها، مع توجيه الدفة بقوة نحو الذكاء الاصطناعي بوصفه محرك النمو الأساسي للسنوات القادمة.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
