حين ترتفع أسعار الذهب والفضة معاً، وتتقلّص الفجوة التاريخية بينهما بشكل يقترب من النسب التي شهدها العالم قبل الحروب الكبرى، فهل يحق لنا القلق؟
هل هذا ارتفاع عابر؟ هل هو نوع من عدم تسعير السوق لعدم اليقين؟
المعادن تعبّر عن لغة قلق
الذهب كان دائماً مرآة الخوف المالي، والفضة مرآة القلق الاقتصادي. الذهب يُشترى عندما يُشكّك المستثمرون في العملة، في النظام النقدي، أو في استدامة الاستقرار السياسي. أما الفضة، فرغم أنها معدن نقدي تاريخياً، فإنها تحمل بُعداً صناعياً يجعلها حساسة لدورات الاقتصاد الحقيقي، وسلاسل التوريد، والتصنيع المرتبط بالطاقة والتكنولوجيا.
عندما يرتفع الذهب وحده، يمكن تفسير ذلك كتحوّط نقدي بحت.
لكن عندما ترتفع الفضة معه بقوة، وتبدأ نسبة الذهب إلى الفضة في الانخفاض، فإن السوق ترسل إشارة أكثر تعقيدًا: هذا الخوف ليس مالياً فقط، بل هيكلياً واقتصادياً وربما استراتيجياً.
نسبة الذهب إلى الفضة: مؤشر يتجاوز الأرقام
نسبة الذهب إلى الفضة ليست مجرد معادلة سعرية، بل تعبير مكثّف عن مزاج السوق. تاريخياً، كانت هذه النسبة ترتفع في أوقات الركود العميق والانكماش، حيث يهيمن الذهب كملاذ خالص. لكنها تنخفض في فترات التوسع الصناعي أو في لحظات إعادة التسلّح والتحوّل الجيوسياسي، حين تكتسب الفضة وزناً أكبر بسبب دورها الصناعي.
بحسب بيانات وتحليلات الأسواق، تجاوزت نسبة الذهب إلى الفضة 100:1 في أبريل 2025، وهي قراءة تُعدّ مستوىً مرتفعاً جداً تاريخياً في سوق المعادن الثمينة الحديثة، وقد ظهرت هذه النسبة عند مستويات نادرة جداً ولم تحدث كثيراً إلا في أوقات الاضطرابات المالية الكبيرة.
عدم اليقين الجديد: ليس حرباً معلنة بل عالم بلا يقين
الأسواق اليوم لا تسعّر حرباً عالمية شاملة بالمعنى التقليدي، لكنها تسعّر شيئاً أكثر ضبابية وخطورة:
تفكك النظام التجاري العالمي.
تسييس سلاسل التوريد.
عودة الحمائية والرسوم.
سباق التسلّح التكنولوجي.
وتراجع الثقة بقدرة البنوك المركزية على ضبط كل شيء.
في هذا السياق، يتحول الذهب من أداة تحوّط إلى أصل سيادي غير معلن، وتتحول الفضة من معدن صناعي إلى مخزون استراتيجي صامت.
لماذا ترتفع الفضة مع الذهب الآن؟
الفضة ليست «ذهب الفقراء» كما يُقال اختزالاً، هي معدن مزدوج الهوية:
نقدي في أوقات الشك.
صناعي في أوقات التحوّل.
اليوم، الطلب على الفضة لا يأتي فقط من المستثمرين، بل من:
الطاقة الشمسية.
شبكات الكهرباء.
الصناعات الدفاعية.
الإلكترونيات الدقيقة.
وحين تتقاطع هذه الاستخدامات مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية، يصبح ارتفاع الفضة تعبيراً عن اقتصاد يستعد للأسوأ دون أن يعلنه.
هل هذه «نسبة زمن الحرب»؟
السؤال الأدق ليس: هل نحن في زمن حرب؟
بل: هل نحن في زمن يُدار بعقلية الحرب؟
الأسواق لا تحتاج إلى إعلان رسمي لتغيّر سلوكها. يكفي أن تشعر بأن:
القواعد القديمة لم تعد مضمونة.
العولمة لم تعد مسلّمة.
والاستقرار لم يعد افتراضاً.
عندها، تتحرك الأسعار قبل الجيوش.
نعم، هناك تشابه مع أنماط تاريخية رافقت فترات صراع كبرى، لكن ما نراه اليوم هو نسخة حديثة:
حرب باردة اقتصادية، صراع تكنولوجي، وتنافس على الموارد والمعادن والطاقة.
ما الذي تقوله هذه النسب؟
الأسواق لا تقول إن الحرب غداً، لكنها تقول إن العالم أصبح أكثر هشاشة، وإن أدوات التحوّط الحالية لم تعد كافية، وإن العودة إلى الأصول البدائية ، الذهب والفضة، ليست حنيناً للماضي، بل تشكيكاً في المستقبل.
الذهب والفضة لا يتنبآن بالحرب، لكنهما يكشفان متى يبدأ العالم في التفكير وكأن الحرب احتمال يجب الاستعداد له.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
