بين تفاصيل أيامنا المثقلة بالمسؤوليات، غدت الضغوط النفسية انعكاسًا واضحًا لتحولات الحياة الحديثة، وامتحانًا يوميًا لقدرة الإنسان على التوازن والتكيّف . ومع تعدد مصادرها وتشابك آثارها، تتجلى الحاجة الملحّة إلى وعي فردي ومجتمعي يضع الصحة النفسية في صدارة الاهتمام، لا باعتبارها رفاهية، بل ركيزة أساسية للاستقرار الإنساني والاجتماعي .
وحين تُدار هذه الضغوط بوعي علمي، وتُحتوى بدعم أسري واجتماعي، وتُسند بقيم الإيمان والرضا، تتحول من ثقلٍ صامت إلى مساحة للنضج، تعيد للإنسان طمأنينته، وتمكّنه من العيش بثبات، والعمل بسلام، وبناء حياة أكثر اتزانًا وإنسانية .
وفي هذا السياق، تؤكد المستشارة النفسية والأسرية واستاذ مساعد في جامعة فيلادلفيا الدكتورة سميرة أحمد الزيود أن الضغوط النفسية لم تعد حالة عابرة في حياة الإنسان المعاصر، بل أصبحت سمة ملازمة لإيقاع الحياة المتسارع، وتعقّد الأدوار، وتزايد التوقعات الفردية والمجتمعية .
وتوضح أن الإنسان اليوم يرزح تحت ضغط متطلبات مهنية متنامية، والتزامات أسرية متداخلة، وضغوط اقتصادية متلاحقة، إلى جانب طموحات ذاتية لا تهدأ، في عالم بات يقيس النجاح بالمقارنة المستمرة والإنجاز الدائم .
ومن منظور علم النفس الحديث، تشير د . الزيود إلى أن الضغوط النفسية بحد ذاتها لا تُعد مرضًا، بل استجابة طبيعية لمتطلبات الحياة، إلا أن خطورتها تكمن في سوء إدارتها أو استمرارها دون دعم، ما يحوّلها من عامل تحفيز إلى عبء نفسي وصحي يهدد التوازن الداخلي للفرد والأسرة والمجتمع .
مصادر الضغوط النفسية : تشابك العوامل وتعدد المستويات
وتوضح الدراسات النفسية والاجتماعية بحسب د . الزيود أن الضغوط النفسية تنشأ من تفاعل معقّد بين عوامل خارجية وأخرى داخلية، ويمكن تصنيفها إلى ضغوط اجتماعية وأسرية تتمثل في اضطراب العلاقات داخل الأسرة، وضعف التواصل، والصراعات الزوجية، وضغوط التربية، إضافة إلى التوقعات الاجتماعية الصارمة وثقافة المقارنة التي عززتها وسائل التواصل الاجتماعي، وهي ضغوط تمس حاجة الإنسان الأساسية للأمان والانتماء .
كما تشير إلى الضغوط المادية والاقتصادية، كالقَلَق المستمر بشأن الدخل، وتكاليف المعيشة، والديون، أو الخوف من فقدان العمل، حيث أثبتت الأبحاث الطبية ارتباط الضغوط الاقتصادية المزمنة بارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق واضطرابات النوم .
وتشمل الضغوط المهنية والدراسية ضغط الأداء، وتراكم المسؤوليات، وضعف التقدير، وغياب التوازن بين العمل والحياة، إضافة إلى الضغوط الدراسية الناتجة عن التنافس والتحصيل المرتفع، خاصة لدى فئة الشباب والمراهقين والأمهات العاملات .
أما الضغوط الذاتية، فتصفها د . الزيود بأنها الأخطر والأكثر خفاء، إذ تنبع من داخل الفرد نفسه، مثل المثالية المفرطة، وجلد الذات، والخوف من الفشل، وربط قيمة الذات بالإنجاز فقط .
الطموح المفرط حين يتحول من دافع إلى عبء
وتشير د . الزيود إلى أن الطموح عنصر أساسي في الصحة النفسية والنمو الإنساني، إلا أن الطموح غير المنضبط قد يتحول إلى مصدر ضغط داخلي دائم، فالسعي المستمر نحو الكمال دون مراعاة القدرات الواقعية يقود إلى إرهاق نفسي مزمن، وشعور دائم بعدم الرضا، وقلق من الفشل، وقد يفضي إلى الاحتراق النفسي . وينشأ هذا الخلل نتيجة صراع بين « الأنا المثالية » التي تفرض معايير عالية، و « الأنا الواقعية » ذات الإمكانات المحدودة، ما يخلّ بالتوازن النفسي ويضعف تقدير الذات .
استمرار الضغوط دون إدارة : انعكاسات نفسية وجسدية
وتحذّر د . الزيود من أن استمرار الضغوط النفسية دون تفريغ صحي أو دعم اجتماعي أو تدخل مهني، ينعكس سلبيًا نفسيًا من خلال القلق المزمن، والاكتئاب، والعصبية، وفقدان الدافعية، وضعف التركيز، وجسديًا عبر اضطرابات النوم، والصداع، وارتفاع ضغط الدم، ومشاكل الجهاز الهضمي، وضعف المناعة، فيما يُعرف بالاضطرابات النفس جسدية . كما تمتد آثارها إلى المستوى الأسري والاجتماعي،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرأي الأردنية
