في ظل مشهد اقتصادي مالي يتسم بتفاؤل حذر، اختتمت مصر عاماً استثنائياً في سياسة التيسير النقدي، حيث وضع البنك المركزي المصري في ديسمبر 2025 اللمسة الأخيرة عبر خفض سعر الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس ليصل إلى 20%.
وبلغ إجمالي الخفض خلال عام 2025 وحده 725 نقطة أساس، مسجلاً أوسع وأسرع عملية تيسير نقدي تشهدها البلاد في عقود.
وبحلول العام الجديد يتوقع خبيران ماليان تواصلت معهما «إرم بزنس» أن تستمر سياسة التيسير حتى تصل نسبة التضخم بنهاية العام إلى 7 أو 9 % في نهاية ديسمبر 2026 وتوقّعا انخفاض الفائدة بحوالي 700 نقطة أساس على مدار العام الحالي.
«المركزي المصري» يطرح سندات خزانة بـ652 مليون دولار لتمويل الموازنة
دوافع التيسير
ولم يأتِ قرار البنك المركزي الأخير في ديسمبر الماضي من فراغ، بل كان تتويجاً لمسيرة بدأت بقوة في أبريل بتخفيض 225 نقطة أساس، ثم 100 نقطة في مايو، و200 نقطة في أغسطس، في سلسلة متتابعة أظهرت ثقة متزايدة من قبل البنك المركزي في متانة المؤشرات الاقتصادية الكلية.
ويوضح الخبير والمحلل المالي الدكتور محمد عبدالعال، في حديث مع «إرم بزنس»، دوافع التيسير بقوله إن البنك المركزي تحول من سياسة التقييد والانكماش التي بدأها في مارس 2024 بعدما تمكن من السيطرة على ارتفاع معدل التضخم الذي وصل في يناير 2024 إلى 24%، تحت تأثير الصدمات الخارجية والأزمات السابقة خلال مواجهة جائحة كوفيد والحرب الروسية الأوكرانية والحرب في غزة.
ويحدد المحلل المالي ثلاثة عوامل للتوجه نحو التيسير بعدما نجح البنك المركزي في كبح التضخم ليحقق انخفاضاً غير مسبوق، ويرى أن العامل الأول، وهو الأكثر وضوحاً للرأي العام، هو التحول التاريخي في مسار التضخم، فبعد أن كان التضخم السنوي يحوم حول 23.4% في ديسمبر 2024، ها هو يهبط إلى 10.3% في ديسمبر 2025.
وهذا الانخفاض بأكثر من النصف على أساس سنوي ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو تحول جوهري في ديناميكيات الأسعار يغير حسابات المستهلكين والمستثمرين والبنك المركزي نفسه. والأهم من الرقم السنوي، هو استمرار هدوء المعدل الشهري، الذي ارتفع بنسبة طفيفة جداً بلغت 0.1% فقط في ديسمبر.
العامل الثاني، هو زيادة الاحتياطي النقدي حيث وصل صافي الاحتياطيات الأجنبية إلى مستوى قياسي جديد تماماً عند 51.45 مليار دولار بنهاية ديسمبر، بزيادة 1.23 مليار دولار عن نوفمبر فقط.
وهذا الاحتياطي لم يأتِ من فراغ، بل كان مدفوعاً بقوة رئيسية هي تحويلات المصريين العاملين في الخارج، التي سجلت بدورها أعلى قيمة تاريخية في أول 11 شهراً من 2025، حيث قفزت بنحو 42.5% لتصل إلى 37.5 مليار دولار، مقارنة بـ 26.3 مليار دولار في الفترة ذاتها من العام الماضي.
والعامل الثالث، وهو استقرار سوق الصرف، فسعر صرف الدولار أمام الجنيه في البنوك يستقر قرب حاجز 47.5 جنيه، بل إن الجنيه ارتفع بنحو 6% في قيمته خلال عام 2025 بأكمله. هذا الاستقرار، في ظل تدفق تيسيري بهذا الحجم، يبعث برسالة طمأنينة قوية للمستثمرين الأجانب والمحليين على حد سواء.
مركبات تسير على الطريق الدائري في العاصمة المصرية القاهرة، 1 نوفمبر 2025.
فوائد خفض الفائدة
رغم هذا المسار التيسيري، لا تزال مصر تصنف بين الدول ذات أسعار الفائدة الأعلى على مستوى العالم، وهو ما يخلق مفارقة وفرصة في الوقت نفسه، وتعلق الخبيرة المصرفية الدكتورة سهر الدماطي على هذه النقطة في حديث مع «إرم بزنس» بقولها هنا تكمن المفارقة المثيرة للاهتمام. لقد خفض البنك المركزي أسعار الفائدة على الودائع بمقدار 725 نقطة أساس منذ بداية العام، أي أن المدخر يحصل على عائد أقل.
ومع ذلك، وبسبب هبوط التضخم من 23.4% إلى 10.3%، فإن العائد الحقيقي وهو سعر الفائدة مطروحاً منه التضخم الذي يحصل عليه المدخر قد تحسن بشكل كبير، وأن هذه البيئة من العائد الحقيقي الموجب هي التي حافظت على جاذبية الأصول المصرية بالعملة المحلية، وساعدت في استمرار تدفق التحويلات، بل وربما شجعت على تحويل جزء منها من الدولار إلى الجنيه للاستفادة من هذه الأسعار.
وتري الدماطي أن هناك فوائد حقيقية للاستمرار في سياسة التيسير أهمها خفض تكلفة الاقتراض بما يعني زيادة قدرة القطاعات الإنتاجية على التوسع في الانتاج وزيادة المعروض من السلع وبالتالي انخفاض الأسعار، بالإضافة إلى إتاحة المزيد من فرص العمل وخفض نسبة البطالة، وبالتالي زيادة الناتج القومي الإجمالي.
وتتوقع الخبيرة المصرفية أن تقدم لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي على اتخاذ قرار في 12 فبراير القادم بخفض جديد بنسبة 100 أو 200 نقطة أساس مدفوعة بالاستقرار في سعر الصرف والنجاح في كبح التضخم بهدف تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي.
تحت ضغط التضخم.. شركات التجزئة في مصر تراهن على الذكاء الاصطناعي
سيناريوهات التيسير
وفي الوقت الذي يترقب فيه رجال الأعمال والاقتصاديون اجتماع لجنة السياسة النقدية المقرر في 12 فبراير، باعتباره أول بيان رسمي من البنك المركزي عن رؤيته لعام 2026 في ضوء إرث 2025 الاستثنائي والتحديات المتوقعة. يقدم الخبير المالي عبد العال توقعه لهذا الاجتماع المحوري بأن هناك احتمالين أولهما وهو الأرجح والأكثر حذراً استمرار التخفيض بوتيرة مخفضة، فالبيانات الإيجابية ضاغطة نحو الاستمرار لذلك وأتوقع أن يستمر البنك في مساره التيسيري، ولكن بخطوة أصغر، ربما في نطاق 50 إلى 100 نقطة أساس كحد أقصى.
والاحتمال الثاني هو أن يلجأ إلى التثبيت مؤقتاً بدلاً عن التخفيض في فبراير. وقد تكون الحكمة في منح الاقتصاد وقتاً ليهضم التأثير الكامل للتخفيضات الهائلة السابقة 725 نقطة أساس، وانتظار رؤية أثر العوامل التي تمثل تحديات للاستمرار في سياسة التيسير وأهمها عبء الدين العام الداخلي والخارجي والتطورات الجيواقتصادية التي يمكن أن تؤثر على سلاسل الإمداد والتوريد وخطوط الإنتاج.
ويعتبر عبد العال أن التحدي الحقيقي الآن هو كيفية ترجمة هذا الزخم النقدي والنقد الأجنبي القياسي إلى نمو اقتصادي حقيقي وملموس، داعياً إلى ضرورة أن نضمن أن التيسير النقدي يحفز الاستثمار الإنتاجي وليس الاستهلاك التضخمي، وأن يستخدم درع الاحتياطي القوي ليس فقط لحماية الاستقرار.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

