كيف غيّر النحاس معادلات الطاقة والبنية التحتية في الشرق الأوسط؟

تقترب سوق النحاس في الشرق الأوسط من مرحلة مفصلية، مع تلاقي نمو الطلب الهيكلي طويل الأجل مع ضغوط سعرية عالمية غير مسبوقة. فقد أدّت اختناقات المعروض، وتنامي المخاطر الجيوسياسية، وتوقعات الطلب المرتبطة بالتحول الطاقي والاقتصاد الرقمي، إلى دفع أسعار النحاس نحو مستويات قياسية، في وقت تستعد فيه المنطقة لزيادة كبيرة في استهلاك الكهرباء وتوسّع البنية التحتية.

وسجّل النحاس أعلى سعر له تاريخياً عند 13,310 دولارات للطن في «بورصة لندن للمعادن» (LME) في 14 يناير، وهو مستوى يزيد بنحو 25% مقارنة بما كان عليه قبل ثلاثة أشهر، وبنحو 40% مقارنة ببداية عام 2025. ورغم بعض التراجع الطفيف، لا تزال الأسعار عند مستويات مرتفعة تاريخياً، مع توقعات باستمرارها ضمن نطاقات عالية خلال الفترة المقبلة.

القصدير والنحاس يسجلان أرقاماً قياسية مع تسارع صعود المعادن

بنية تحتية تتوسع

تعكس هذه التطورات السعرية بيئة سوقية تشهد بالفعل توسّعاً هيكلياً في الطلب. وتشير التقديرات إلى أن ذروة الطلب على الكهرباء في الشرق الأوسط مرشّحة للارتفاع بنحو 40% بحلول عام 2035 مقارنة بمستويات منتصف العقد الحالي، ما يستلزم استثمارات واسعة في شبكات النقل والتوزيع ومحطات التحويل، وهي قطاعات تعتمد بشكل مكثف على النحاس.

وتُظهر بيانات الاستهلاك الحالية نقطة انطلاق أساسية لفهم حجم التحول الجاري في سوق النحاس بالمنطقة، إذ بلغ الاستهلاك السنوي في عام 2024 نحو 432 ألف طن في دولة الإمارات العربية المتحدة، وحوالي 197 ألف طن في المملكة العربية السعودية، ما يعني أن الطلب في هذه الأسواق وحدها يتجاوز 629 ألف طن سنوياً، وهو مستوى يعكس تنامي الوزن النسبي للمنطقة في معادلة الطلب العالمي على النحاس.

تخطيط استثماري أكثر كفاءة

مع بقاء أسعار النحاس عند مستويات مرتفعة، تبرز أهمية التخطيط الاستثماري عالي الكفاءة في مشاريع الطاقة الكهربائية والبنية التحتية في دول الخليج، ولا سيما في ظل تنفيذ برامج تحول اقتصادي واسعة تشمل مدناً ذكية، ومشاريع سياحية وترفيهية كبرى، إلى جانب توسعات صناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة.

وتسهم المشاريع العملاقة، مثل «خطة دبي الحضرية 2040»، ومشروعي «نيوم» و«القدية» في المملكة العربية السعودية، في ترسيخ هذا المسار، إذ تشير المؤشرات الصناعية إلى احتياجات تراكمية كبيرة من النحاس تمتد عبر مراحل التنفيذ المختلفة.

ويُتوقع أن يشكّل تحول قطاع الطاقة المحرك الأكبر للزيادة الهامشية في استهلاك النحاس، مع انتقال تدريجي في هيكل الاستثمارات من الوقود الأحفوري، الذي لا يزال يستحوذ على نحو 78% من استثمارات الطاقة الإقليمية في 2025، إلى 66% بحلول 2035، لصالح الطاقة المتجددة، وأنظمة التخزين، وتحديث الشبكات.

وتستلزم مشاريع الطاقة الشمسية والرياح عادة ما بين 3 و5 أطنان من النحاس لكل ميغاواط، في حين تضيف أنظمة تخزين البطاريات على نطاق الشبكة طلباً إضافياً عبر الكابلات والمحولات والبنية الكهربائية المساندة.

ويتعزز هذا الطلب بدوره من نمو استهلاك الكهرباء لأغراض التبريد، إذ تضاعف تقريباً الطلب على التكييف بين 2010 و2024 في واحدة من أكثر مناطق العالم حرارة. ويقود ذلك إلى زيادة كثافة استخدام النحاس في أنظمة التكييف، وشبكات التبريد المركزي، والبنية الكهربائية للمباني السكنية والتجارية، ما يجعل التبريد حلقة مكملة ومباشرة في سلسلة الطلب المتنامي على النحاس ضمن مسار التنمية الإقليمية.

عامل يتابع عملية صهر النحاس في أحد مصانع شركة «كوديلكو فنتاناس» بمدينة فنتاناس التشيلية يوم 7 يناير 2015

صدمات عرض عالمية

على جانب العرض، أسهمت مجموعة من التطورات المتزامنة في تشديد سوق النحاس العالمي خلال الفترة الأخيرة. فقد أعلنت الصين، التي تنتج أكثر من 45% من النحاس المكرر عالمياً، عبر «فريق مشتريات المصاهر الصينية» (CSPT)، الذي يمثل نحو 60% من طاقة الصهر في البلاد، عن خطط لخفض الإنتاج بنحو 10% في عام 2026، في ظل فائض الطاقة وضعف هوامش المعالجة، ما حدّ من الكميات المتاحة للأسواق الدولية.

وفي الوقت نفسه، شهد عام 2025 سلسلة من الاضطرابات التشغيلية والكوارث الطبيعية التي أثرت في بعض أكبر مناجم النحاس في العالم، ما أدى إلى تعطيل الإنتاج وتقليص المعروض العالمي في فترة اتسمت أصلاً بارتفاع الطلب. وتزامن ذلك مع تصاعد التوترات الجيوسياسية واضطرابات الشحن، ولا سيما في البحر الأحمر، الأمر الذي أطال مسارات النقل ورفع تكاليف الاستيراد، بما في ذلك لدول الشرق الأوسط.

ورغم وجود توقعات بانتعاش نسبي في إنتاج المناجم عالمياً، مع تقديرات تشير إلى زيادة بنحو 3.3%، فإن هذه الزيادة تبقى غير كافية لتعويض الاختلالات المتراكمة بين العرض والطلب، ما يُبقي سوق النحاس في حالة شدّ نسبي خلال المرحلة المقبلة.

تباين التوقعات السعرية

في حين تتوقع بعض البنوك الاستثمارية تراجعاً تدريجياً في الأسعار، مع تقديرات تشير إلى احتمال انخفاضها بنحو 18% بحلول نهاية 2026، تبقى مستويات الأسعار المحتملة، في حدود 11,750 دولاراً للطن وفق بعض التقديرات، مرتفعة تاريخياً مقارنة بمتوسطات الأعوام السابقة.

ويعني ذلك أن دول الشرق الأوسط ستواصل التعامل مع بيئة أسعار قوية بالتوازي مع توسع الطلب المحلي، ما يعزز أهمية الاستثمار في سلاسل الإمداد، والتخزين الاستراتيجي، وتطوير قدرات المعالجة المحلية.

السعودية تطلق منافسة جديدة على رخص لاستكشاف الذهب والنحاس

استجابة إقليمية

استجابة لهذه المتغيرات، بدأت طاقات المعالجة الإقليمية للنحاس بالتوسع ضمن توجه أوسع لتعزيز أمن الإمدادات ورفع القيمة المضافة محلياً. فقد أعلنت شركة «فيدانتا» (Vedanta) الهندية عن برنامج استثماري بقيمة 2 مليار دولار في السعودية، يهدف إلى تطوير سلسلة متكاملة لمعالجة النحاس.

ويشمل البرنامج إنشاء مصهر ومصفاة بطاقة تصل إلى 400 ألف طن سنوياً في مدينة رأس الخير الصناعية، إلى جانب مصنع لإنتاج قضبان النحاس بطاقة 300 ألف طن سنوياً، مع استهداف بدء الإنتاج التجاري خلال عام 2026.

ويتضمن البرنامج الاستثماري أيضاً أنشطة استكشاف في «حزام جبل صايد المعدني»، بما يعزز التكامل بين عمليات التعدين والمعالجة ويدعم تطوير قاعدة صناعية متكاملة للنحاس داخل المملكة.

كما تلعب صناديق الثروة السيادية دوراً متزايد الأهمية في تشكيل مشهد الاستثمار في النحاس. فقد أوضحت شركة «منارة المعادن»، وهي مشروع مشترك بين «معادن» و«صندوق الاستثمارات العامة» السعودي، استراتيجية طويلة الأجل تركز على الاستكشاف، والمعالجة، وتكامل سلاسل الإمداد، بدلاً من الاقتصار على التداول قصير الأجل.

وبالتوازي مع ذلك، تعمل الإمارات على توسيع طاقتها التخزينية من خلال تطوير المستودعات الجمركية خارج «ميناء جبل علي»، في حين تواصل أبوظبي إنشاء منشآت جديدة تدعم زيادة التدفقات التجارية والتخزين الاستراتيجي.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ ساعة
منذ 33 دقيقة
منذ ساعة
منذ 58 دقيقة
منذ ساعة
منذ ساعة
قناة CNBC عربية منذ 9 ساعات
منصة CNN الاقتصادية منذ 53 دقيقة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعتين
صحيفة الاقتصادية منذ 11 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 11 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 6 ساعات
قناة العربية - الأسواق منذ ساعة
قناة CNBC عربية منذ 14 ساعة