تشكل المدن اليوم العمود الفقري للاقتصاد العالمي، إذ تولّد ما يقارب 80% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بينما يقطنها نحو 55% من سكان العالم، وهي نسبة مرشحة للارتفاع إلى نحو 70% بحلول عام 2050. ومع هذا التركّز غير المسبوق للسكان والنشاط الاقتصادي، أصبحت كلفة المعيشة والخدمات الحضرية أحد أبرز انعكاسات كفاءة الاستثمار داخل المدن، حيث إن أي خلل في توجيه رأس المال ينعكس مباشرة على تكاليف السكن والتنقل والخدمات الأساسية.
كما يترافق هذا الثقل الاقتصادي يترافق مع عبء متزايد، فالمدن تستحوذ اليوم على نحو 75% من استهلاك الطاقة عالمياً، وتنتج قرابة 29 غيغاطن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، مع توقعات بارتفاع الانبعاثات إلى نحو 40 غيغاطن بحلول عام 2050 في حال الاكتفاء بإجراءات تخفيف متوسطة. وإلى جانب الضغوط البيئية، تواجه المدن التزامات مالية متصاعدة نتيجة تقادم البنية التحتية، وارتفاع تكاليف الصيانة، وزيادة التعرض لمخاطر المناخ والكوارث الطبيعية.
وتشير تقديرات «مركز البنية التحتية العالمي» (GI Hub) إلى أن العالم يحتاج إلى نحو 94 تريليون دولار بحلول عام 2040 فقط للحفاظ على شبكات النقل والمياه والطاقة القائمة وتحديثها، دون احتساب الاستثمارات الإضافية المطلوبة للنمو السكاني أو التكيّف المناخي. ويكشف هذا الرقم حجم القيود الرأسمالية التي تواجه الحكومات، ويضع كفاءة الاستثمار في صدارة الأولويات الاقتصادية، في ظل محدودية الموارد المالية وارتفاع تكاليف الاقتراض عالمياً.
الدول الأكثر تسبباً بانبعاثات الكربون من إنتاج الطاقة
إنفاق ضخم وعائد حدي يتراجع
على الرغم من ضخامة الإنفاق، يخلص تحليل اقتصادي لشركة «كي بي إم جي» (KPMG) إلى أن المشكلة الأساسية لا تكمن في نقص التمويل بحد ذاته، بل في تناقص «العائد الحدي للاستثمار الحضري». فالنماذج التقليدية التي تعتمد على تقييم كل مشروع على حدة تؤدي إلى تجزئة القرار الاستثماري، وتغفل الترابط العميق بين قطاعات الإسكان والنقل وسوق العمل والصحة والبيئة.
ويقود هذا النهج إلى تمويل مجزأ يُنتج ازدواجية في المشاريع وسوءاً في ترتيبها الزمني، ويعتمد على مؤشرات مالية ضيقة تستبعد تكاليف دورة الحياة والتكاليف المستقبلية المتجنبة. وعملياً، ينعكس ذلك في ارتفاع امتصاص رأس المال دون تحسن متناسب في الإنتاجية أو جودة الحياة، إلى جانب تضخم الالتزامات التشغيلية، وارتفاع النفقات الجارية، وضعف مشاركة القوى العاملة في بعض المدن.
كما يؤدي هذا النمط من الاستثمار إلى تراكم أعباء مالية مستقبلية غير ظاهرة في الحسابات الأولية، سواء من حيث تكاليف الصيانة أو إعادة التأهيل أو الآثار الصحية والبيئية المؤجلة، ما يحد من قدرة الحكومات على توسيع الإنفاق الإنتاجي في مراحل لاحقة.
الكاميرون تتصدر قائمة أكثر دول العالم تلوثاً في 2025
دبي نموذج حضاري.. من عائد المشروع إلى عائد المكان
في مواجهة هذه التحديات، يطرح التحليل مفهوم «الاستثمار القائم على المكان» باعتباره أداة اقتصادية لرفع إنتاجية رأس المال، وليس مجرد توجه تخطيطي أو عمراني. فبدلاً من السعي إلى تعظيم العائد المالي لكل مشروع على حدة، ينتقل هذا المنطق إلى تعظيم العائد الاقتصادي الكلي لمحفظة استثمارية متكاملة ضمن نطاق جغرافي محدد.
ويتيح هذا النهج استعادة مصادر قيمة اقتصادية بقيت مهملة في النماذج التقليدية، من بينها الارتفاع في قيم الأراضي الناتج عن التكامل بين شبكات النقل وسياسات الإسكان وتوزيع الخدمات. كما يحقق مكاسب إنتاجية ملموسة عبر تقليص أزمنة التنقل والحد من الازدحام، بما ينعكس مباشرة على كفاءة سوق العمل وتوسيع نطاق الوصول إلى فرص التوظيف.
وتبرز دبي نموذجاً عملياً لهذا التحول من خلال مشروع «مترو دبي»، ولا سيما الخط الأزرق الجديد، الذي يمتد على نحو 30 كيلومتراً ويضم 14 محطة. ووفقاً لدراسات «هيئة الطرق والمواصلات» في دبي، يُتوقع أن يحقق الخط منافع اقتصادية تتجاوز 56.5 مليار درهم بحلول عام 2040، مع نسبة منفعة إلى تكلفة تبلغ نحو 2.6 درهم مقابل كل درهم مستثمر. وتشمل هذه المنافع وفورات في زمن التنقل واستهلاك الوقود، وانخفاض معدلات الحوادث المرورية، وتراجع الانبعاثات الكربونية، إلى جانب تقليص الازدحام بنسبة تصل إلى 20% في المناطق التي يخدمها الخط، ورفع قيم الأراضي والعقارات المحيطة بمحطات المترو بنسبة قد تصل إلى 25%.
ترسية مشروع الخط الأزرق لمترو دبي على تحالف عالمي بـ5.6 مليار دولار
وفي المملكة العربية السعودية، يعكس مشروع الدرعية نموذجاً موازياً لدمج التراث بالاقتصاد الحضري. فقد تجاوزت المبيعات العقارية في المشروع خلال عام 2024 نحو 10.6 مليار ريال سعودي، مع خطط لجذب 50 مليون زائر سنوياً بحلول عام 2030، وإيجاد نحو 180 ألف وظيفة، والمساهمة بأكثر من 18 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب استعادة بيئية شملت نحو 6.5 مليون عنصر من الأنواع المحلية.
ومن منظور المالية العامة، يتجاوز «الاستثمار القائم على المكان» التخطيط الحضري ليشمل إدارة المال العام وتوزيع المخاطر. ويظهر ذلك في التجربة الإماراتية، حيث اعتمدت الحكومة عبر «برنامج الشيخ زايد للإسكان» أكثر من 3,567 قراراً إسكانياً بقيمة إجمالية بلغت نحو 2.546 مليار درهم، شملت مزيجاً من المنح والقروض وأدوات التمويل المختلفة. كما أطلقت إمارة أبوظبي اتفاقيات لتطوير 13 مجتمعاً سكنياً جديداً بتكلفة تصل إلى 106 مليارات درهم، تستهدف توفير أكثر من 40 ألف منزل وقطعة أرض بحلول عام 2029، مع أدوات دعم إضافية تضمنت دعماً يصل إلى 250 ألف درهم لكل قرض سكني وتمديد فترات السداد إلى 30 عاماً.
ويخلص التحليل إلى أن قابلية العيش في المدن لم تعد هدفاً اجتماعياً ثانوياً، بل أصبحت مؤشراً اقتصادياً متقدماً على الأداء طويل الأمد، حيث ترتبط مباشرة بإنتاجية رأس المال، واستدامة المالية العامة، وجاذبية المدن للاستثمار المؤسسي طويل الأجل.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
