عندما حاورت الذكاء الاصطناعي للمرة الأولى، وأجابك بطلاقة مذهلة، وربما أضاف مزحة خفيفة في النهاية. في تلك اللحظة، لا بُدّ أن سؤالاً مُلحاً قد قفز إلى ذهنك: هل هناك «أحد» في الداخل أم أنني أتحدث إلى آلة ترتدي قناعاً بشرياً؟ هذا السؤال ليس مجرد فضول عابر، بل هو جوهر الانقسام الحالي بين مجموعات مختلفة من الباحثين من علماء وفلاسفة... هل نحن أمام «ببغاء رقمي» خارق يردد ما حفظه أم أمام شرارة لوعي جديد تفكر وتحلل وتبتكر؟ هذا السؤال ليس فلسفياً فقط، بل يمسّ حياتنا اليومية مباشرة. نحن اليوم نكتب رسائلنا، ونخطط أعمالنا، ونتلقى نصائح من أنظمة ذكاء اصطناعي مختلفة. لذلك نحتاج إلى أن نفهم ما الذي يحدث داخل هذا «الدماغ» الرقمي؟ هل يفهمني حقاً أم أنه مجرد آلة حاسبة متطورة للغاية تتقن التنبؤ بالكلمة التالية بناءً على حسابات رياضية معقدة؟ الحقيقة، أن فِرقاً من الباحثين حول العالم تحاول اليوم الإجابة عن هذا السؤال، وما يستمكنوا من إثباته قد يغيّر حقاً نظرتنا لهذه التقنية تماماً. «ببغاء رقمي» فائق الذكاء لتوضيح هذا الادعاء لنعد إلى المبادئ، أقصد تحديداً مبادئ آلية عمل نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي. من حديث المفهوم النظري المبسط لأبعد الحدود، هذه الأنظمة هي عبارة عن «آلة حساب احتمالات» قوية، مبنية في عملها على تشكيل روابط حسابية بين ملايين الخلايا العصبية الرقمية. تسمح لها هذه الروابط بتوقع الكلمة التالية في سياق محدد، وإكمال الجمل، والفقرات بشكل منطقي. هل نحن أمام «عقل» رقمي قادر على التعلم والفهم؟ نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي لم تتم برمجتها بقواعد صارمة (مثل: إذا قال المستخدم «مرحباً»، قل «أهلاً»)، بل طورت معرفتها الذاتية عبر عملية تدريب ضخمة تغذت خلالها على مليارات المعلومات، وأوجدت روابط دقيقة بين تفاصيل عناصرها، لتصبح بارعة في فهمها للسياق وتقديم الإجابات.
ومن هنا، جاءت الفكرة الأكثر إثارة التي يطرحها الباحثون اليوم، والتي تقول إن التعامل مع نماذج الذكاء الاصطناعي لم يعد يشبه هندسة البرمجيات التقليدية او نماذج معادلات الرياضيات والاحتمالات، بل يجب أن تُفهم هذه النماذج بسياقات أقرب لـ«علم الأعصاب». أكثر من مجرد حفظ وجد الباحثون أن «أدمغة» نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي تطوّر مفاهيم مجردة خلال رحلة تعلمها. على سبيل المثال، يمتلك النموذج «فكرة» عن «المال» أو «القيمة الاقتصادية»، وهذه الفكرة تنشط في بنية أعصابه الداخلية سواء سألته عن الرواتب أو عن التضخم أو حتى عن سعر القهوة في باريس. فهو لا يتعامل مع الكلمات كرموز منفصلة، بل يتعامل مع الكلمات ضمن شبكة مفاهيم مترابطة تمثل «الفكرة» ذاتها، مهما تغيّر السياق الظاهري لها. الأكثر إذهالاً هو اكتشاف العلماء وجود «لغة عالمية للأفكار» داخل النموذج، مثلاً مفهوم «الكبير» و«الصغير» يتم تمثيله بالطريقة العصبية نفسها داخل النموذج سواء كنت تتعامل معه بالإنجليزية أو الفرنسية أو الصينية. هذا يعني أن النموذج لا يترجم الكلمات وحسب، بل يمتلك «لغة تفكير» داخلية مجردة عن لغاتنا يعالج بها المعاني قبل أن يخرجها لنا باللغة التي نفهمها.
اليوم تتجاوز إمكانات نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة القدرة على إعادة إنتاج ما تعلّمه الآلة سابقاً، لتصبح قادرة على ابتكار حلول جديدة كلياً لم يسبق لها أن رأتها بشكل حرفي، مظهرة أكثر وأكثر قدرتها على التعلّم الذاتي المبني على الفهم الوظيفي المعقد لتفاصيل الأمور. هل يستطيع الببغاء كتابة الشعر؟ هنا تزداد القصة تعقيداً وتصبح أكثر دهشة. إذا كان الذكاء الاصطناعي مجرد «ببغاء رقمي»، فكيف يمكنه كتابة قصيدة موزونة جديدة كلياً عن فيزياء الكم بأسلوب المتنبي؟ كتابة الشعر الموزون والمقفى ليس مهمة بسيطة لكثير من البشر. ومع ذلك، نجد أن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي الحديثة طورت لنفسها خلال رحلة تعلمها تكتيكات عمل ذكية لتحقيق ذلك. ويمكن اعتبار الوصول إلى هذه الآليات مؤشراً على قدرة النماذج على تطوير وامتلاك قدرات «التخطيط الاستراتيجي» بشكل داخلي. فكيف يمكن لآلة تتنبأ بالكلمة التالية فقط أن تلتزم بقافية محددة في نهاية البيت؟ اكتشف الباحثون أنه نتيجة التدريب المكثف، «تعلمت» النماذج أن الشعر الجيد يتطلب التزاماً صارماً بنهايات صوتية محددة. ولضمان وصولها إلى القافية الصحيحة، طورت (النماذج الحديثة) عملية عقلية معاكسة ومذهلة. فهي لا تبدأ بالكلمة الأولى وتأمل أن تصل إلى قافية مناسبة بالصدفة، بل على العكس تعلم النموذج أن يحدد القافية المطلوبة (الكلمة الأخيرة) أولاً في «ذهنه»، ثم يبدأ بعدها بناء الجملة بشكل تخطيطي عكسي، مختاراً الكلمات السابقة بحيث تقود منطقياً ونحوياً إلى تلك النهاية المحددة مسبقاً. النتيجة هي قدرة مدهشة على إنتاج أبيات متماسكة وموزونة وتحافظ على القافية عبر قصيدة كاملة، وكأن النموذج يمتلك حساً شعرياً، بينما هو في الواقع يطبق تخطيطاً متقدماً لإرضاء القيود الجمالية للغة. إن تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي لهذا الأسلوب يدل على امتلاك قدرة عالية على «التخطيط المستقبلي» وليس مجرد رد فعل لحظي على الكلمة السابقة مباشرة.
كيان جديد وعلاقة جديدة مع تزايد تطور نماذج الذكاء الاصطناعي، نجد أنفسنا اليوم أمام تكنولوجيا تفكر، وفهم «كيف تفكر» هذه الأنظمة لم يعد رفاهية فكرية، بل ضرورة مُلحّة، لأنها باتت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية وأعمالنا ومعرفتنا. نحن لا نواجه مجرد برنامج جديد، بل نعيد تعريف علاقتنا مع شكل جديد من الذكاء. تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.
هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية
