بعد موجة التوسع.. كيف تتكيّف مشروعات الطاقة المتجددة مع مناخ الخليج؟

مع انتقال مشروعات الطاقة المتجددة في دول الخليج من مرحلة التوسع السريع إلى مرحلة التشغيل واسع النطاق، بدأت أولويات القطاع تشهد تحوّلاً ملحوظاً. فبعد سنوات من التركيز على سرعة التنفيذ ورفع القدرات المركبة، يتجه الاهتمام اليوم نحو كيفية تشغيل هذه المشروعات بكفاءة أعلى، وضمان استمراريتها في بيئات مناخية وتشغيلية معقدة، في ظل أنظمة كهرباء أصبحت أكثر تشابكاً واعتماداً على مصادر متجددة متقلبة.

وخلال العقد الماضي، رسّخ الخليج موقعه كأحد أسرع أسواق الطاقة المتجددة نمواً عالمياً، مدفوعاً بمشروعات عملاقة مثل «نيوم»، والتزامات دولة الإمارات بمضاعفة قدراتها المتجددة ثلاث مرات بحلول عام 2030. ومع تجاوز مرحلة بناء المشروعات الأساسية، لم يعد التحدي الرئيسي مرتبطاً بحجم الاستثمار أو سرعة التوسع، بقدر ما أصبح مرتبطاً بقدرة هذه المنظومة على العمل بكفاءة عالية على المدى الطويل، ودعم النمو الاقتصادي من دون انقطاعات أو اختناقات تشغيلية.

وفي هذا السياق، تشير تقديرات خبراء الطاقة وإدارة المخاطر إلى أن قطاع الطاقة المتجددة في الخليج يدخل ما يُعرف بمرحلة «النضج التشغيلي»، إذ تتحوّل الأولوية من ربط المشروعات بالشبكة إلى بناء أنظمة أكثر قدرة على التكيف مع الظروف المناخية القاسية، واستيعاب الطلب المتزايد، وضمان استقرار سلاسل الإمداد والأطر التمويلية التي تقوم عليها هذه الاستثمارات.

«مصدر» تبرم شراكة لتطوير نظم الطاقة النظيفة بالمملكة المتحدة وإفريقيا

نماذج تشغيلية تتلاءم مع مناخ الخليج

على الأرض، لا تقتصر دول الخليج على التخطيط النظري لمواجهة تحديات المناخ، بل تنفّذ مشروعات وتجارب تعكس قدرة المنطقة على التكيّف عملياً مع الحرارة وحاجة الشبكات إلى موثوقية أعلى.

في الإمارات، مشروع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية أكبر مشروع استراتيجي لتوليد الطاقة المتجددة في موقع واحد في العالم، بقدرة إنتاجية ستصل إلى خمسة آلاف ميغاواط بحلول العام وتُوظَّف فيه تقنيات تصميم وتكامل مع الشبكة للتعامل مع ظروف الإشعاع القوية في الصحراء. كما تخطط دول مجلس التعاون لإضافة أكثر من 40 غيغاواط من الطاقة المتجددة قيد التطوير، ما يعكس تسارع الانتشار والتحضير لتشغيل واسع النطاق.

وتشهد السعودية مشروعاً حيوياً عبر اتفاقيات ضخمة لبناء مزارع طاقة شمسية بقدرات كبيرة ضمن أهدافها لـ2030، تبرز فيها استراتيجيات التنفيذ والتشغيل في بيئات مناخية قاسية. تعزيزاً لهذا المسار، يتم أيضاً توسيع استخدام التخزين والطاقة النظيفة وجذب الاستثمارات الضخمة التي تُعزّز من قدرة هذه المشروعات على الاستمرارية والتحكّم بالتقلبات المناخية.

الطاقة المتجددة والاقتصاد الرقمي

لم تعد مشروعات الطاقة المتجددة تعمل بمعزل عن غيرها. فطفرة الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات في الشرق الأوسط أوجدت منظومة جديدة تتداخل فيها موثوقية الكهرباء مع الاستمرارية الرقمية وإدارة المياه. وتتطلب مراكز البيانات الضخمة في أبوظبي والرياض والخبر إمدادات كهرباء منخفضة الكربون وغير منقطعة، ما يضع «أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات» (BESS) في قلب معادلة المرونة.

وتتطلب هذه الأنظمة مستوى عالياً من التكامل الهندسي والتخطيط المتقدم، يشمل التصاميم المتخصصة، وحلول السلامة المناسبة، وسلاسل توريد مستقرة. ويؤكد الخبراء أن نجاح مشروعات الطاقة المتجددة بات مرتبطاً بشكل وثيق باستقرار البنية الرقمية التي تعتمد عليها الاقتصادات الحديثة، ما يضاعف أهمية دمج تحليل المخاطر منذ المراحل الأولى للتصميم والتمويل.

تحوّل في طبيعة المخاطر

على الصعيد العالمي، كشفت تجارب السنوات الأخيرة هشاشة أنظمة الطاقة أمام الظواهر المناخية المتطرفة. ففي أوروبا، تسببت العواصف والبرد الشديد بخسائر تأمينية بمليارات الدولارات نتيجة تضرر الألواح الشمسية وتعطل المشروعات. ونتيجة لذلك، أعيدت معايرة نماذج الكوارث لتأخذ في الحسبان تغير أنماط الطقس وتكرارها.

أما في الخليج، فتختلف طبيعة المخاطر، إذ تتسم بيئة التشغيل بخصائص مناخية ولوجستية خاصة تتطلب تخطيطاً متقدماً وحلولاً مصممة بعناية. فدرجات الحرارة المرتفعة، والرياح، والعواصف الرملية، إلى جانب ديناميكيات سلاسل الإمداد العالمية، تستدعي تنسيقاً دقيقاً في إدارة المكونات الرئيسة مثل المحولات والعواكس الكهربائية، بما يضمن استمرارية الجداول الزمنية للمشروعات وكفاءة تنفيذها.

هذا الواقع يدفع الأسواق إلى الانتقال من إدارة مخاطر تقليدية تركز على الموقع، إلى نهج شمولي يربط بين مرونة الأصول واستمرارية النظام بأكمله. فالانقطاع قد يبدأ بعامل مناخي، لكنه قد يستمر بسبب تأخر لوجستي أو تعثر مورد، ما يحوّل حادثاً محدوداً إلى خسارة جسيمة.

من الحماية إلى الثقة

في هذا السياق، تتجه الأسواق إلى مفهوم «المرونة التنبؤية»، التي تعتمد على النمذجة المتقدمة وتحليل البيانات لمحاكاة سيناريوهات الطقس المتطرف عبر العمر الافتراضي للمشروع. هذه الأدوات، عند دمجها مع سيناريوهات مناخية مستقبلية، تتيح تسعيراً أدق للتأمين وتقييماً أكثر واقعية للأصول.

كما تتطور آليات نقل المخاطر، فلم يعد التأمين التقليدي وحده كافياً. فالحلول البارامترية، التي تربط التعويض بمؤشرات قابلة للقياس مثل سرعة الرياح أو درجات الحرارة، توفر سيولة فورية بعد الكوارث، ما يسرّع التعافي ويحد من الخسائر الاقتصادية.

وتكتسب هذه الأدوات أهمية خاصة في الخليج، حيث تتسم مشروعات الطاقة والبنية التحتية بضخامة الاستثمارات وتعدد الشركاء وتشابك مصادر التمويل. ويؤكد الخبراء أن إشراك مهندسي المخاطر في مراحل مبكرة من التصميم والتمويل يعزز ثقة الممولين ويقلل المفاجآت لاحقاً.

«مصدر» الإماراتية توقع اتفاقية لتطوير الطاقة المتجددة في مونتينيغرو

تعزيز التعاون الإقليمي لمرونة الشبكات

في خطوة تعكس التزام دول الخليج بتكامل نظم الطاقة الحديثة، وقّعت «هيئة الربط الكهربائي» لدول مجلس التعاون و«معهد أبحاث الطاقة الكهربائية» (EPRI) في ديسمبر 2025 تعديلاً استراتيجياً على اتفاقية الإطار بينهما؛ بهدف تعزيز مرونة الشبكات الكهربائية الخليجية ورفع جاهزيتها لمتطلبات الطاقة المستقبلية.

يهدف هذا التعاون إلى تنسيق الجهود التقنية والتنفيذية بين دول المجلس لتطوير شبكات أكثر قدرة على استيعاب مصادر الطاقة المتجددة، وزيادة الاعتمادية التشغيلية في مواجهة التغيرات في العرض والطلب، وتعزيز التكامل الإقليمي في البنية التحتية للطاقة.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 20 ساعة
قناة CNBC عربية منذ ساعة
قناة العربية - الأسواق منذ 6 دقائق
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعة
منصة CNN الاقتصادية منذ 4 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 56 دقيقة
قناة CNBC عربية منذ ساعتين
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 22 دقيقة