يبدو أن قضاة المحكمة العليا الأميركية مترددون في الموافقة على طلب الرئيس دونالد ترامب بالسماح له بإقالة ليزا كوك، محافظ مجلس الاحتياطي الفيدرالي، فوراً. إلا أن حكمهم النهائي، عقب جلسات الاستماع التي عُقدت هذا الأسبوع، قد لا يُحقق لكوك نصراً ساحقاً
بل، وفقاً لبعض الخبراء القانونيين، يُرجّح أن يكون القرار محدوداً، ما قد يُعيد القضية إلى محكمة ابتدائية لمزيد من التقصّي، دون أن يحسم القضاة التساؤلات الجوهرية المتعلقة بما إذا كان لدى ترامب سبب وجيه لعزل كوك، أو ما إذا كان للرئيس سلطة إقالة مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي. وفي هذه الحالة، قد تُعاد القضية لاحقاً إلى المحكمة العليا.
تمثل محاولة ترامب إقالة كوك، بالإضافة إلى التحقيق الجنائي المنفصل الذي أطلقته وزارة العدل التابعة له ضد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، معاً أكبر تحدٍّ لاستقلالية البنك المركزي منذ تأسيسه عام 1913.
قرار «مُقتضب» قال أستاذ القانون بيتر مارغوليس من جامعة روجر ويليامز في رود آيلاند «يبدو جلياً أن المحكمة العليا تبحث عن طريقة لإعادة القضية إلى المحاكم الأدنى بقرار مُقتضب قدر الإمكان، بدلاً من إصدار حكم شامل». طلبت وزارة العدل التابعة لترامب من المحكمة العليا منع تنفيذ الأمر القضائي التمهيدي الذي أصدره قاضي المحكمة الجزئية الأميركية جيا كوب في سبتمبر أيلول، والذي أوقف محاولته إقالة كوك في الشهر السابق. ورفضت محكمة الاستئناف الأميركية لدائرة مقاطعة كولومبيا طلب الإدارة اللاحق برفع أمر كوب.
في حال صدور حكم ضيق من المحكمة العليا ضد ترامب، سيبقى أمر كوب القضائي سارياً، وسيُقدّم توجيهات للقاضي بشأن كيفية المضي قدماً في القضية وصولاً إلى حكم نهائي في جوهر الطعن القانوني الذي رفعته كوك ضد محاولة الرئيس الجمهوري عزلها. وقد أيّدت المحكمة، ذات الأغلبية المحافظة (6-3)، ترامب في العديد من القضايا الأخرى التي بُتّ فيها على وجه السرعة منذ عودته إلى منصبه قبل 12 شهراً، بما في ذلك السماح له بعزل مسؤولين من وكالات فيدرالية أخرى. عند إنشاء الاحتياطي الفيدرالي، سنّ الكونغرس قانوناً يتضمن بنوداً تهدف إلى حمايته من التدخل السياسي، ويسمح للرئيس بعزل محافظي البنك المركزي «لسبب وجيه»، ولا يُعرّف القانون «السبب الوجيه» أو يُحدّد إجراءات العزل. يُعدّ ترامب، الذي تبنّى رؤية واسعة لصلاحيات الرئيس بموجب الدستور الأميركي، أول رئيس يحاول عزل مسؤول في الاحتياطي الفيدرالي. ويرى الاقتصاديون أن استقلالية البنك المركزي أمر لا غنى عنه لمنع قرارات أسعار الفائدة من أن تُملى عليه أهواء السياسيين قصيرة الأجل على حساب الاستقرار الاقتصادي طويل الأجل. إجراءات متسرعة خلال المرافعات يوم الأربعاء، لاحظ بعض القضاة أن قضية كوك عُرضت عليهم بسرعة، دون إتاحة وقت كافٍ لتقييم الأدلة وحلّ المسائل القانونية المعقدة. وتساءل القاضي المحافظ صموئيل أليتو«هل من مبررٍ لتعامل الجميع مع هذه القضية بهذه السرعة، من السلطة التنفيذية، إلى المحكمة الجزئية، إلى محكمة الاستئناف في مقاطعة كولومبيا؟». رفعت كوك دعوى قضائية ضد ترامب بعد أيام من نشره رسالة على منصته «تروث سوشيال» تُعلمها فيها بـ«إقالتها». وقال ترامب إن لديه سبباً وجيهاً لإقالة كوك، مستشهداً بادعاءات لم تثبت صحتها من أحد مُعينيه السياسيين بأنها زوّرت وثائق للحصول على قروض عقارية لعقارين مختلفين سجّلتهما كمسكنين رئيسيين لها. وقد وصفت كوك هذه الادعاءات المتعلقة بالاحتيال العقاري بأنها ذريعة لإقالتها بسبب السياسة النقدية، في ظلّ مقاومة الاحتياطي الفيدرالي لمطالب ترامب المتكررة بخفض أسعار الفائدة بشكل سريع وكبير.
قال أليتو إنه لا يعتقد أن كوب قدّم سجلاً كاملاً بالأدلة التي تثبت أساس ترامب لعزل كوك. وأضاف «لم يسبق لأي محكمة أن بحثت في هذه الحقائق، هل طلبات الرهن العقاري موجودة أصلاً في ملف هذه القضية؟». وقالت أستاذة القانون جين مانرز من جامعة فوردهام في نيويورك «إن القضاة متخوفون من قلة الأدلة المتاحة لهم للمضي قدماً». ضرر لا يمكن إصلاحه يقع عبء الإثبات على ترامب لإثبات استحقاقه لإيقاف تنفيذ أمر كوب القضائي التمهيدي. يجب على الإدارة أن تُثبت أن ترامب سيتعرض لضرر لا يمكن إصلاحه إذا لم يُمنح أمر الإيقاف، كما يتعين على القضاة النظر فيما إذا كان الإيقاف يخدم المصلحة العامة على نطاق أوسع.
وأشارت القاضية المحافظة آمي كوني باريت إلى أن خبراء اقتصاديين قدموا مذكرات إلى المحكمة يجادلون فيها بأن الموافقة على طلب ترامب بإبعاد كوك فوراً قد تؤدي إلى ركود اقتصادي، وتساءلت عما إذا كان هذا الخطر يعني أنه ينبغي على المحكمة التريث. وقال مارغوليس «يمكن للمحكمة أن تستند إلى عامل الضرر الذي لا يمكن إصلاحه وتقول إن المصلحة العامة لا تتحقق بوضوح من خلال السماح بالإبعاد في هذه المرحلة، لا سيما بسبب التساؤلات حول تأثير ذلك على الأسواق». وقال أستاذ القانون بجامعة بوسطن، جيد شوغرمان، إنه من الممكن أن يصدر حكم المحكمة العليا في شكل أمر من فقرة واحدة يرفض طلب ترامب بالإيقاف دون تقديم تبرير قانوني يُذكر، كما حدث في قضية هجرة العام الماضي تتعلق بترامب.
هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية
