مجلس السلام.. وآليات الخضوع في قاموس ترامب الجديد

أ.د عبد الستار الجميلي

تؤكد الأحداث المفصلية في التاريخ، والإتجاه الغالب لدي المختصين بالشأن العالمي، أن التحولات الكبرى تعقب الحروب الكبرى في أغلب الأحوال.. فقد أعقب الحرب العالمية الأولى نشوء عصبة الأمم وقواعد دولية جديدة تضمنها عهد العصبة والمعاهدات والإتفاقيات الدولية التي أنهت الحرب أو التي تمخضت عنها.. وكان هذا أيضا سياق التحول الكبير الذي أعقب نهاية الحرب العالمية الثانية التي نشأت خلالها ولما تنتهي بعد وبعد نهايتها، منظمة الأمم المتحدة التي جاءت عبر ميثاقها والمعاهدات والوثائق الدولية التي صاحبتها أو تلتها، بقواعد دولية جديدة، كان أبرزها إدانة الحروب حتى على مستوى المصطلحات، ومنع إستخدام القوة في العلاقات الدولية، والحديث عن السلام كخيار عالمي على مستوى الآمال لدى الشعوب التي أرقتها وأرهقتها المذابح والخسائر والتبعات التي فتكت بملايين الناس ونسفت الكثير من البنى المادية ومصادر الحياة، وحمَّلت الأجيال المتعاقبة التعويضات وويلاتها التي لا تُطاق.. لكنَّما نهاية الحرب الباردة التي إستمرت لأكثر من أربعة عقود خرجت عن سياق هذه التحولات التاريخية، فلم تأت بمنظومة دولية جديدة، وإن جاءت ببعض القواعد الدولية الجديدة التي طالت عمل الأمم المتحدة وأجهزتها، خصوصا مجلس الأمن الذي حاول أن يستعيد دوره المُحيَّد خلال الحرب الباردة، تحت ضغط حق الفيتو الذي إستخدمته الدول الكبرى بكثافة بحسب مقياس مصالحها المتوتر دائما، صعوداً أو نزولاً مع الحروب في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوربا(كحروب إنفصال باكستان عن الهند، وفرض الكيان الصهيوني، والحرب الكورية، والعدوان الثلاثي على مصر، وأزمة الصواريخ في كوبا، وحرب فيتنام، والعدوان الصهيوني المتكرر على دول المواجهة العربية، وغيرها الكثير). ومع إن مرحلة إنتهاء الحرب الباردة شهدت الكثير من مشاريع إصلاح الأمم المتحدة وأجهزتها أو السعي لإيجاد منظمة دولية جديدة من الجيل الثالث، إلاّ أنّ أيّاً من هذه المشاريع لم ير النور وبقي رهين المحبسين، الأدراج وقاعات المناقشة، وموقف الدول الكبرى التي بقيت متمترسة خلف إمتياز حق الفيتو الذي جعل منها منطقة محظورة على المسائلة والمحاسبة، حتى وإن إرتكبت كلّ أنواع الجرائم الدولية الموصوفة في القانون الدولي والمحاكم الجنائية الدولية.

وفي ظل المرحلة الإستثنائية الحالية من تاريخ المجتمع الدولي، يُعيد سياق التحولات الكبرى هندسة أبجديته من جديد، ليس عقب حروب كبرى وإنما عقب إنتخابات أمريكية جاءت بدونالد ترامب وفق نتائج غير متوقعة رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، التي تملك فائضا ًمن القوة وتراثاً دموياً من الحروب والإحتلال والتدخلات الداخلية والخارجية، بما فيها إستخدام الأسلحة النووية ضد مدينتي هيروشيما وناغازاكي في اليابان في ٦، ٩ آب ١٩٤٥.. وقد بدأت ملامح وبوادر هذا السياق الجديد مع اللحظات الأولى من مراسم تنصيب ترامب، الذي حرص على حمل مطرقة العاصفة معه، بإطلاق زلزال الحديث عن ضم قناة بنما وغرين لاند وكندا إلى خريطة الولايات المتحدة الأمريكية وفق مزاعم شتى، وعن نيته فرض الضرائب والرسوم على الحلفاء والخصوم معا، تحت عنوان كان يُزين قبعته الحمراء " أمريكا أولا ولنجعلها عظيمة"، وتوجيه الضربات المتلاحقة للأمم المتحدة وإتهامها بأنها أصبحت متقادمة ولم تعد قادرة على إنهاء الحروب التي إستطاع وحده وقف تسعة منها حسب زعمه، مُستهينا بالقانون الدولي وأية قواعد لا تخضع لحكم عقله وأخلاقه وحدهما، كما أعلن ذلك صراحة دون أي تورية، وجسّد ذلك عمليا بالعدوان على سيادة دولة فنزويلا المستقلة وخطف رئيسها الشرعي وقرصنة نفطها ومصادر ثرواتها الأخرى.. وفي ذات السياق إستغل ترامب الإبادة الجماعية الذي نفذها الكيان الصهيوني ضد الشعب العربي الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، لا لوقف هذه الإبادة بل لتثبيت وجود هذا الكيان الغاصب تحت غطاء مشروعه لوقف الحرب وتحقيق السلام والاعمار، وفي إطار نفس المشروع بلور ملامح منظمة إمبراطورية دولية جديدة يرأسها هو شخصيا، تحت مسمى "مجلس السلام" يتمتع بشخصية قانونية دولية وإختصاصات شاملة، وبرمج ميثاقاً له من ثلاثة عشر باب، تضمن النص صراحة في (م/1) من الباب الأول على أن المجلس منظمة دولية تهدف إلى تعزيز الإستقرار وإعادة إرساء الحوكمة الموثوقة والمشروعة وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاعات وذلك وفقا للقانون الدولي وميثاق المجلس، وكان قد أعلن في الديباجة ضمنا بأن المجلس يُراد منه أن يكون بديلاً للأمم المتحدة، حيث نص في بداية الديباجة على : " يعلن ان السلام الدائم يتطلب حكما براغماتيا، وحلولا معقولة، وشجاعة للإبتعاد عن المناهج والمؤسسات التي فشلت كثيرا" و مشددا في ذات الديباجة"....على الحاجة إلى هيئة دولية لبناء السلام تتسم بمزيد من المرونة والفعالية"، والنص في صلب (م2/ أ) من الباب الثالث من الميثاق على أن يكون هو "دونالد ترامب" بالإسم رئيساً له، وفق صلاحيات مطلقة في دعوة الدول التي يدعوها وحده للمشاركة، ومنع أي تحفظات على الميثاق في (م/12) من الباب الثاني عشر، ولترامب وحده بموجب (م/9) من الباب التاسع إصدار القرارات والتوجيهات، وغير ذلك من الإختصاصات المطلقة التي فصّلها على مقاسه الإمبراطوري التي لا تقبل النقاش أو التحفظ.. الأمر الذي يؤكد بأن قواعد النظام الدولي ومؤسساته التي أعقبت الحرب العالمية الثانية قد تفككت بما فيها منظمة الأمم المتحدة، التي حرص ترامب على ألا يدعو أمينها العام لعضوية مجلس السلام الدولي الجديد.. وأخطر ما في هذه المرحلة أن المجتمع الدولي بات بلا قواعد دولية حاكمة للعلاقات الدولية يمكن التعويل عليها في الحفاظ على سيادة ومصالح الدول، وعلى السلم والأمن الدوليين، في مواجهة فائض القوة المنفلتة من أية.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من وكالة الحدث العراقية

منذ 7 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 7 ساعات
قناة السومرية منذ 17 ساعة
قناة اي نيوز الفضائية منذ 16 ساعة
قناة السومرية منذ 15 ساعة
قناة الرابعة منذ ساعتين
قناة الرابعة منذ 3 ساعات
قناة الرابعة منذ 3 ساعات
قناة اي نيوز الفضائية منذ 21 ساعة
قناة السومرية منذ 20 ساعة