وسط ضغوط اقتصادية هائلة: 500 مليار دولار في الخارج.. هل يمتلك العراق مفاتيح استعادة أمواله المنهوبة قبل فوات الأوان؟

بغداد / عراق اوبزيرفر

في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية وتراجع هوامش المناورة المالية يعود ملف الأموال المهربة إلى خارج العراق ليتصدر النقاش القانوني والسياسي بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً على مستقبل الاستقرار الاقتصادي، فبين عجز الموازنات وتقلبات أسعار النفط واتساع رقعة الالتزامات المالية يبرز سؤال جوهري: هل ما زال بإمكان العراق استعادة أمواله المنهوبة أم أن الزمن بات يعمل ضده؟

الداخل المنهك والخارج الممكن

الخبير القانوني علي التميمي يضع الإطار العام للإجابة، مؤكداً أن معالجة الأزمة الاقتصادية لا يمكن أن تعتمد على المعالجات الداخلية وحدها، مهما بلغت أهميتها، بل تستوجب التحرك الجاد على مسارين متوازيين: استرداد الأموال المهرّبة، وتفعيل الأدوات القانونية الدولية التي تتيح للعراق المطالبة بحقوقه المالية.

التميمي أوضح في حديث لـ عراق اوبزيرفر أن اتفاقية مكافحة غسل الأموال لعام 2003، التي دخلت حيز التنفيذ عام 2005، رسمت آليات واضحة لاسترداد الأموال المهرّبة عبر الحدود لاسيما من خلال المادتين (55 و56)، مشيراً إلى أن العراق صادق على هذه الاتفاقية بموجب القانون رقم (35) لسنة 2007، ما يمنحه غطاءً قانونياً كاملاً للتحرك الدولي.

أرقام صادمة: 500 مليار دولار خارج البلاد

وفق تقديرات قانونية ومالية، تقدر قيمة الأموال العراقية المهرّبة بنحو 500 مليار دولار، وهو رقم كفيل، في حال استعادته جزئياً، بإحداث تحول جذري في الوضع الاقتصادي وسد فجوات العجز وتمويل مشاريع استراتيجية وتقليل الاعتماد شبه المطلق على النفط.

التميمي أشار إلى أن الاتفاقية الدولية مودعة لدى الأمم المتحدة استناداً إلى المادة (102) من ميثاقها، ما يتيح للعراق التنسيق المباشر مع المنظمة الدولية، فضلاً عن التنسيق الثنائي مع الدول التي توجد فيها هذه الأموال، مستشهداً بتجارب دول نجحت في هذا المسار مثل نيجيريا والفلبين وسنغافورة ومصر وتونس. واعتبر أن الظرف الحالي هو الأنسب للتحرك، قبل أن تتآكل الفرص السياسية والقانونية.

أموال النظام السابق في واشنطن.. ورقة قانونية مهملة

أحد أكثر الملفات حساسية يتمثل بوجود نحو 65 مليار دولار في البنك الفدرالي الأميركي، تعود للنظام السابق، لكنها تعد ملكا للشعب العراقي. ويكشف التميمي أن الرئيس الأميركي يصدر سنوياً مرسوماً لحماية هذه الأموال من مطالبات الدائنين، وهو ما يمنح العراق فرصة قانونية ثمينة للمطالبة بها.

ويستند هذا الحق، بحسب التميمي، إلى المادتين (27 و28) من الاتفاقية الاستراتيجية العراقية الأميركية لعام 2008، اللتين تتيحان طلب المساعدة الاقتصادية، وتُعدان ملزمتين للطرفين. غير أن هذا المسار، رغم وضوحه القانوني، ما زال يفتقر إلى قرار سياسي حاسم يدفع باتجاه تفعيله.

الفصل السابع سيف سياسي واقتصادي

في بعد دولي أكثر تعقيداً، يلفت التميمي إلى أن المادة (50) من ميثاق الأمم المتحدة تتيح للدول التي تحارب تنظيمات مدرجة تحت الفصل السابع طلب المساعدة الاقتصادية من مجلس الأمن.

ويذكر بأن العراق خاض حرباً مفتوحة ضد تنظيم داعش الإرهابي، المدرج تحت الفصل السابع بموجب قرار مجلس الأمن رقم (2170)، فضلاً عن إعلان دول مثل بريطانيا وفرنسا استعدادها لدعم العراق اقتصادياً.

لكن التحذير الأبرز يتمثل في أن استمرار الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية قد يدفع مجلس الأمن إلى إعادة العراق إلى الوصاية الدولية تحت الفصل السابع، وهو سيناريو كارثي من شأنه تقييد السيادة الاقتصادية والسياسية، ويستدعي تحركاً عاجلاً لتجنب الوصول إليه.

خطوط حمراء قانونية

على المستوى الداخلي، يشدد التميمي على أن أي معالجات للأزمة الاقتصادية لا يمكن أن تمر عبر تخفيض الرواتب أو تأخيرها أو إيقافها، لكونها منظمة بقوانين نافذة مثل قانون الخدمة المدنية وقانون سلم الرواتب.

ويؤكد أن مؤسسات الدولة لا يمكن أن تستمر دون دفع رواتب الموظفين، محذراً من أن المساس بها سيؤدي إلى اهتزاز اجتماعي وأمني واسع.

ويرى أن المعالجات الداخلية يجب أن تكون مكملة للتحرك الخارجي، لا بديلاً عنه، عبر تفعيل الرقابة، ومحاسبة الفاسدين، وغلق منافذ الهدر المالي، دون تحميل الموظف أو المواطن كلفة أزمات لم يكن طرفاً في صناعتها.

خطوات محدودة وطريق طويل

في سياق متصل، أعلنت هيئة النزاهة في نهاية العام الماضي عن استرداد قرابة 17 مليون دولار، وتوقيع نحو 20 مذكرة تعاون دولية لتعزيز مكافحة الفساد.

وقال مدير عام دائرة العلاقات مع المنظمات غير الحكومية في الهيئة، أيمن داود سلمان، إن العراق بات حاضراً في المحافل الدولية، خصوصاً بعد انضمامه إلى إحدى سلطات مكافحة الفساد.

وأوضح أن مذكرات التعاون شملت تبادل الخبرات والمعلومات، وتعقب الأموال، وتسهيل استرداد الأشخاص والأموال، بما يعزز موقع العراق ضمن المنظومة الدولية لمكافحة الفساد.

ورغم أهمية هذه الخطوات، إلا أن الفجوة بين حجم الأموال المستردة (17 مليون دولار) وحجم الأموال المهربة المقدرة (500 مليار دولار) تطرح تساؤلات جدية حول فعالية الجهود الحالية، وحاجتها إلى تصعيد سياسي وقانوني أكبر.

فرصة أخيرة قبل الانفجار الاقتصادي

يختم التميمي حديثه بالتأكيد على أن البرلمان الحالي يمتلك فرصة تاريخية لفتح جميع الملفات السابقة، وإجراء تحقيقات برلمانية بأثر رجعي، واتخاذ قرارات شجاعة قد تنقذ البلاد من تداعيات انخفاض أسعار النفط وتفاقم الأزمات المالية. ويشدد على أن الوقاية خير من العلاج ، في إشارة إلى أن التأخير في هذا الملف قد يجعل كلفة المعالجة مستقبلاً مضاعفة، وربما خارج السيطرة.


هذا المحتوى مقدم من عراق أوبزيرڤر

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من عراق أوبزيرڤر

منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
قناة السومرية منذ 9 ساعات
قناة التغيير الفضائية منذ 4 ساعات
قناة السومرية منذ 9 ساعات
عراق أوبزيرڤر منذ 5 ساعات
قناة السومرية منذ 13 ساعة
عراق زون منذ 48 دقيقة
قناة السومرية منذ 4 ساعات
قناة السومرية منذ 7 ساعات