اللذة حسية مادية واضحة، لا يمكن التشكيك في وجودها؛ لأنها تُعاش مباشرة قبل أي تفسير أو حكم، وتعمل بوصفها محركاً خفياً للسلوك، حتى قيل إن حركات الإنسان كلها جبرية تحكمها اللذة والألم. واللذة ليست محصورة في الأكل والشرب والجنس، كما درج الخطاب الأخلاقي على اختزالها، بل تتخلل الجسد كله، وتتشكل وفق خريطة دقيقة من الاستجابات العصبية والتوترات والانفراجات. وهذه الملذات، وكذا الآلام، تتفاوت في القوة. لنا أن نتخيل لذة نيوتن عندما اكتشف قانون الجاذبية. ولنا أن نتذكر أنك عندما تنظف أذنك، لا تكون المسألة مجرد إزالة للشمع، بل هناك لذة حقيقية، ذات قوة، تدعو الإنسان إلى تكرار الفعل، حتى بعد تحقق الغاية الوظيفية. هذه الملذات، كبيرها وصغيرها لا تحتاج إلى تبرير، ولا إلى خطاب أخلاقي؛ لأنها ببساطة تحدث.
جغرافية اللذة تمتد لمساحات أوسع بكثير مما يتصور العجلان. وبإمكان القارئ أن يستكشف هذه التضاريس ويتوسع في دراستها. فاللذة، في معناها الجوهري، ليست بالضرورة نشوة عالية أو إثارة قصوى، بل غالباً ما تكون إحساساً دقيقاً بزوال اختلال، أو بعودة الجسد إلى الراحة. ولهذا السبب نغيّر المِرفق الذي نتكئ عليه بمجرد أن نشعر بأدنى انزعاج. لا ننتظر ألماً حقيقياً، ولا نفكر في القرار، بل تتحرك أجسادنا كالآلات لتجنّب الألم، ولو كان في بدايته. هذا السلوك اليومي البسيط يؤكد أن حياتنا تُدار، في مستواها الأعمق، وفق ميزان اللذة والألم، لا وفق المفاهيم الكبرى التي تخترعها عقولنا لاحقاً.
هنا يبرز سؤال السعادة. إذا كانت اللذة بهذا الوضوح والحضور، فما السعادة إذن؟ وهل هي شيء نعيشه فعلاً؟ حين نزعم أننا سعداء، فإننا لا نصف تجربة حاضرة، بل نصدر حكماً عاماً على فترة أو على حياة كاملة. لكننا في الواقع لا نلتقي بشيء اسمه السعادة في الشارع. ما نعيشه دائماً هو لحظات، لذة وراحة وانشراح وزوال توتر، أو على العكس ألم وضيق وحزن. السعادة ليست إحساساً نشعر به، بل تلك هي اللذة. السعادة بناء ذهني، أشبه بعنوان يُوضع على سلسلة من الوقائع بعد مرورها، وقد يكون وهماً.
ولا بد من التفريق بين اللذة الحسية واللذة العقلية ضرورياً. اللذة الحسية قصيرة العمر، مرتبطة بالجسد واستجابته المباشرة، لا يمكن للطعم أن يدوم ساعات، ولا للمس أن يبقى متوهجاً إلى ما لا نهاية، فجميع الملذات الحسية لا تتجاوز الدقائق المعدودة. أما اللذة العقلية فهي أبطأ وأطول نفساً؛ لأنها لذة المعنى والحديث والذاكرة. حين نقول إننا قضينا ساعات ممتعة على العشاء مع أصدقاء، فإن اللذة الحسية للطعام انتهت في وقت قصير، وما استمر هو لذة النقاش والضحك واستعادة الذكريات والشعور بالقرب الإنساني.
من هنا يمكن القول إن اللذة هي.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشرق الأوسط
