من إدارة الحشود إلى هندسة التجربة.. كيف تعيد مكة تعريف معايير التنمية الحضرية؟

لم يعد مفهوم التنمية الحضرية في يومنا الحاضر رهينة المعادلات الهندسية الصامتة، أو مجرد حسابات الكتل الخرسانية مقابل الفراغات، بل اتسع ليشمل إعادة هندسة «تجربة الإنسان» داخل الحيز العمراني. وفي مكة المكرمة حيث تتقاطع خصوصية المكان مع الذروة الموسمية لتدفقات ملايين الحجاج والمعتمرين سنوياً، لا يقتصر التحدي على الاستيعاب العددي، بل يمتد إلى وضوح الحركة وسلامة الانتقال وجودة التفاعل مع المكان والزمان. ويعكس هذا التحوّل في استراتيجيات التطوير الحضري انتقالاً من مقاربة تُركّز على «إدارة الحشود» بوصفها هدفاً تشغيلياً مرتبطاً بالكفاءة اللوجستية وتدفق الحركة، إلى مقاربة أوسع يمكن أن نسميها بـ«هندسة التجربة» حيث يُوسّع معيار النجاح ليشمل البُعد الإنساني والبيئي وجودة التشغيل، لا السرعة وحدها. التحول الحضري.. من التدفق الأقصى إلى الأنسنة لقد هيمنت لسنوات طويلة نظرية التدفق الأقصى على التخطيط الحضري للمدن ذات الكثافة العالية، حيث كان معيار النجاح يُقاس بعدد الأشخاص الذين يمكن نقلهم من نقطة محورية إلى أخرى في أقل زمن ممكن. ورغم الأهمية التشغيلية لهذا المعيار في المواسم الدينية ذات الحيز الزمني الضيق، وما يصاحبها من أعداد كبيرة من الزوار، فإن قياس النجاح بزمن الحركة وحده قد يُغفل أبعاداً مؤثرة مثل الإجهاد، والضغط النفسي، ووضوح الإرشاد وتجربة المشي في الذروة. اليوم، وبقراءة تحليلية للتوجهات الحديثة في المدن المستدامة، نجد الاهتمام قد انتقل نحو بناء «المنظومات الحضرية المتصلة» وهي منظومات تتعامل مع الطرق والمباني والخدمات بوصفها نظاماً مترابطاً يستهدف تقليل الاحتكاك داخل الرحلة: وضوح الإرشاد، وتوزيع نقاط التوقف، وتحسين بيئة المشاة، وتكامل أنماط النقل، بما يعزّز قابلية الحركة في الذروة.

"مسار" كحالة تطبيقية لتنظيم الوصول ضمن حزمة المشاريع الوطنية للتطوير الحضري في مكة المكرمة المنبثقة من رؤية السعودية 2030، يمكن النظر إلى مشروع مسار بوصفه أحد المشاريع التي تستهدف تحسين بيئة الوصول وتنظيم الحركة باتجاه المسجد الحرام. وبحسب البيانات المتاحة عن المشروع، يمتد عبر مساحة إجمالية تبلغ 1.25 مليون متر مربع، ويصل طوله إلى 3.65 كيلومتر بعرض 320 متراً، وعلى مسافة تقارب 550 متراً من ساحات الحرم المكي الشريف. يهدف المشروع في بعده الوظيفي إلى ربط المنطقة المركزية حول الحرم بمحطة قطار الحرمين السريع، وذلك عبر تطوير شبكة نقل متعددة الوسائط تشمل مسارات للمشاة وحافلات التردد السريع. المعايير الدولية والاستدامة البيئية تشير البيانات إلى أن المخطط يتضمن مساحات مفتوحة ضمن أعمال التصميم بنحو 12.73% من مساحة الموقع للمناطق المفتوحة، مقابل 29.50% للطرق و2.43% للخدمات العامة، وفي مدينة حارة وموسمية مثل مكة المكرمة يمكن لهذه المساحات أن تسهم في تحسين راحة الحركة على مسارات المشاة، وتقليل الإجهاد، وتوفير نقاط توقف واستعادة خلال أوقات الذروة، على أن يُختبر ذلك عبر مؤشرات تشغيلية مثل زمن الرحلة للمشاة، وكثافة التدفق، ورضا المستفيدين. ومن زاوية الصحة العامة، تشير مراجعات الأدلة لدى منظمة الصحة العالمية إلى أن وجود مساحات خضراء داخل المدن يرتبط بمنافع صحية ونفسية متعددة، ما يجعل إدماج الاعتبارات البيئية ضمن النسيج العمراني خياراً ذا عائد طويل الأجل على جودة الحياة. التشغيل المستدام وكفاءة الإنفاق لا يقتصر نجاح المشاريع الحضرية على مرحلة الإنشاء فحسب، بل يعتمد بصورة أكبر على كفاءة التشغيل والصيانة على المدى الطويل، كما تسهم المشاريع الكبرى في خلق فرص عمل متنوعة، لا تقتصر على المقاولات، بل تمتد إلى التشغيل والضيافة، وإدارة المرافق والخدمات اللوجستية. غير أن الاستثمار في البنية التحتية يفرض سؤالاً مالياً لا يقل أهمية عن السؤال العمراني: كيف تُموَّل كلفة التشغيل المستدامة دون أن تتحول الجودة مع الوقت إلى عبءٍ متصاعد؟ هنا تبرز الحاجة إلى نماذج تشغيل ذات كفاءة اقتصادية، تُحسن توزيع الموارد وتحد من الهدر، وتربط التمويل بمؤشرات أداء واضحة مثل كلفة التشغيل لكل زائر، وزمن الاستجابة، وتوافرية الأصول، ورضا المستفيدين. تحديات التوسع المستقبلي تواجه المشاريع الحضرية الكبرى تحديات مستقبلية تتطلب تخطيطاً استباقياً ورؤية بعيدة المدى، من أبرز هذه المخاطر التزايد المستمر في أعداد الزوار بما قد يتجاوز في بعض المواسم ذروة الطاقة الاستيعابية المخطط لها، ما يستدعي سيناريوهات توسع إضافية، أو تحديثاً مستمراً للأنظمة لرفع كفاءتها التشغيلية. كما يمثل ارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة للأنظمة التقنية المتطورة تحدياً مالياً مستمرًا، وإلى جانب ذلك، تتطلب المحافظة على التوازن البيئي وحماية التراث العمراني والتاريخي حول المسجد الحرام حوكمة دقيقة، لضمان ألا يأتي التطوير العمراني الحديث على حساب الهوية التاريخية والروحانية للمدينة المقدسة. وخلاصة القول: إن الانتقال من إدارة الحشود إلى هندسة التجربة يعيد طرح سؤال: كيف نحافظ على معنى المكان ونحن نطوّر عمرانه ونرفع كفاءة تشغيله في آنٍ واحد؟ ما يجري اليوم يتجاوز فكرة التوسعة بوصفها هدفاً بذاته، إلى اختبار قدرة المدينة على المواءمة بين التراث والابتكار، وبين متطلبات الذروة وضرورات الأنسنة، وبين كفاءة التشغيل وجودة الرحلة. وفي نهاية المطاف يظل معيار النجاح قابلاً للقياس: وضوح المسارات، وخفض نقاط الاختناق، وسلامة الحركة، والقدرة على تقديم تجربة أكثر اتساقًا وأقل إنهاكًا للزائر. فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بحجم ما يُبنى فقط، بل بقدر ما يتحقق من أثرٍ ملموس على الإنسان وعلى كفاءة المدينة في خدمة زوارها. تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.


هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من منصة CNN الاقتصادية

منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
قناة العربية - الأسواق منذ 6 ساعات
منصة CNN الاقتصادية منذ 37 دقيقة
قناة العربية - الأسواق منذ 4 ساعات
فوربس الشرق الأوسط منذ 7 ساعات
قناة CNBC عربية منذ ساعة
إرم بزنس منذ ساعة
قناة العربية - الأسواق منذ 17 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 9 ساعات