(أنا أقدر)، جملة بسيطة تنطق بها المرأة تحولت مع الوقت إلى قيود غير مرئية، جعلت الشعور بالتعب أمرا غير مسموح به، والاعتراف بالعجز والتعب خذلانا للصورة التي كونتها عن نفسها.
فالعديد من النساء حولنا اعتدن على فعل كل شيء وحدهن، لا لأنهن دائما قادرات، بل لأنهن يخفن أن يتراجعن، أن يتأخرن، أن يقلن: "ما أقدر". هذا الواقع الذي أصبح بعضهن رهينة له.
فالمرأة قد تحمل نفسها فوق طاقتها، خوفا من تشويه الصورة التي صنعتها عن ذاتها، "صورة المرأة القادرة دائما، التي لا تتعب، ولا تنهار، ولا تقول لا".
وبعض النساء يتحملن لأن العطاء طبعهن، وأخريات لأن قول "لا" مهارة لم يتعلمنها بعد، لكن النتيجة واحدة: كبت يتراكم، وضغط يدمر النفس بصمت، إلى أن يأتي الانهيار مرة واحدة.
ومن جهة أخرى، كان للمجتمع دور أساسي في ترسيخ هذه الصورة، فالحياة السريعة واستقلالية المرأة عززتا هذا التصور أكثر، وحملتا المرأة فوق طاقتها، باسم القوة، بينما الحقيقة أبسط من ذلك؛ من حق المرأة أن تتعب، وأن تعترف بتعبها، دون أن تخسر نفسها. القوة هنا لم تعد خيارا نابعا عن قناعة، بل مطلبا اجتماعيا لا يسمح بالتخلي عنه.
مشاعر مكبوتة يصنعها التعب والألم
بين طلب وآخر، هكذا تقضي هبة (39 عاما) يومها بين تلبية احتياجاتها واحتياجات بيتها وأولادها إلى جانب عملها، شعور بالتعب يتملك أيامها، والسبب عدم قدرتها على قول "لا" أو "لا أستطيع"، وهو ما يحزنها.
وتعترف هبة أن خوفها من أن تدمر الصورة التي صنعتها عن نفسها يقف حاجزا أمام تعبيرها عن تعبها وعجزها في أوقات كثيرة، وكأن التعب ليس من حقها.
وتنوه هبة إلى أنها اعتادت على فعل كل شيء بيدها، ما زاد من حملها يوما بعد الآخر، وخوفها من كسر هذه الصورة المثالية التي أوجدتها لنفسها.
وبذلك تقف عاجزة بين رغبتها في التعبير عن تعبها، وخوفها من تغير نظرة من حولها لها.
بينما رغبة نسرين (51 عاما) في العطاء ومساعدة كل من حولها، تحولت مع الوقت إلى قيود غير مرئية، وأصبح مفروضا عليها فعل كل شيء لوحدها، فقط لقولها "أنا بعملها" لمرات متعددة، هذه الجملة البسيطة حرمتها من التعبير عن شعورها بالتعب.
وبين الأمومة والعمل ودورها كابنة، عاشت نسرين ضغطا مستمرا ومشاعر مكبوتة من التعب والألم، وعبرت عن ذلك بقولها: "أنا من حقي أتعب.. مش دائما أنا بقدر وقدها، وأحيانا بدي حدا يسندني".
ولطالما كانت نسرين فتاة تتحمل في صغرها، وهو ما خلق صورة أنها تقدر وتستطيع فعل كل شيء لوحدها، إلا أن هذا الدور أتعبها مع السنين وأثقل على كاهلها.
وفي كل مرة كانت تفعل شيئا، كانت تعيش تعبا مختلفا، لتصل إلى مرحلة انهارت فيها مرة واحدة، لتبكي بلا سبب، مبينة أن كبت المشاعر والضغوطات كان سببا في انهيارها، فعجزها عن التعبير عن تعبها واعتقاد من حولها أنها "المرأة الحديدية" منعها من الإفصاح عما تشعر به.
كلفة نفسية وصحية واجتماعية
أما زينب (39 عاما)، فإن إعالتها لعائلتها بعد وفاة والدها، والمساعدة التي كانت تقدمها، أصبحت واجبا مع الزمن، لتجد نفسها تضع ذاتها في آخر سلم الأولويات.
وتبين زينب أنها تحب المساعدة وتفرح بمد يد العون لمن تحب، إلا أن شعورها بالتعب حاضر، وخوفها من التقصير يجبرها على تحدي ظروف الحياة وتحمل ما يفوق طاقتها، فقط في سبيل إرضائهم على حساب نفسيتها.
خبيرة علم الاجتماع فاديا إبراهيم، تبين أن صورة المرأة في المجتمعات المعاصرة شهدت تحولا جذريا خلال العقود الأخيرة، فبعد أن كانت تظهر بوصفها كائنا ضعيفا يعتمد على غيره في تأمين احتياجاته واتخاذ قراراته، أصبحت اليوم تُصوَّر على أنها إنسان قوي، مستقل، قادر على الجمع بين أدوار متعددة والنجاح فيها جميعا دون تراجع، موضحة أن هذا التحول رغم أهميته في مسار العدالة والتمكين، حمل معه كلفة نفسية وصحية واجتماعية باهظة على المرأة القوية.
كسر الصورة النمطية القديمة كان إنجازا تاريخيا للمرأة بحسب إبراهيم، فقد أتاح لها فرص التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة، وحررها من التبعية القسرية، ومنحها صوتا وحقا في الاختيار.
وتشير إبراهيم إلى أن هذا التحول لم يتوقف عند حدود الاعتراف بقدرة المرأة، بل انتقل في كثير من الأحيان إلى فرض نموذج جديد عليها وهو امرأة قادرة على كل شيء، طوال الوقت، دون تعب أو تردد أو حاجة للدعم، وهنا تحوّلت القوة من حق إلى عبء، ومن خيار إلى معيار اجتماعي صارم.
وتفسر إبراهيم أنه وبشكل واضح ارتفعت سُقوف التوقعات من المرأة في جميع المجالات، فهي مطالبة بالنجاح المهني، والتفوق الأسري، والاستقلال المالي والاستقرار النفسي، والمظهر المثالي، كل هذا معا.
التوزيع الحقيقي للمسؤوليات
وتنوه إلى أن هذا التعدد في.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
