يبدأ اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يوم الثلاثاء، وسط حالة من الترقب غير المسبوقة في الأسواق العالمية، وبينما جرت العادة أن تنصب الأنظار نحو أرقام التضخم والبطالة فقط، يأتي هذا الاجتماع محاطاً بسياق سياسي وقضائي خانق يضع استقلالية البنك المركزي الأقوى في العالم على المحك. وهذا هو أول اجتماع للسياسة النقدية الأميركية في عام 2026، إذ يترقب الجميع قرار الفائدة غداً الأربعاء، في ظل مزيج اقتصادي معقد؛ وتوترات سياسية وتجارية.
المواجهة القضائية.. باول في عين الإعصار إلى جانب الأرقام، يحمل الاجتماع بُعداً درامياً؛ إذ يواجه جيروم باول ضغوطاً من وزارة العدل بشأن تحقيقات تتعلق بشهادته حول مشروع تجديد مقر البنك.
هذه الضغوط يراها باول «ذرائع» سياسية، ما يجعل قرار الفائدة هذا الأسبوع اختباراً حقيقياً لشعار «الاستقلالية»، فخفض الفائدة الآن قد يُفسر كخضوع لرغبة البيت الأبيض، بينما التثبيت يرسل إشارة صمود.
وفي هذا السياق، توقع أحمد معطي، المدير التنفيذي لشركة «في أي ماركتس» في مصر، أن يبقي بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير خلال هذا الاجتماع، بما يتماشي مع توقعات المتداولين على أداة فيدووتش الذين يعطون احتمالاً بنسبة تزيد على 97% لتثبيت أسعار الفائدة.
وأرجع معطي هذا التوقع إلى وجود عاملين رئيسيين قائلاً، «هناك عامل سياسي واضح، إذ يجب على الفيدرالي التعامل مع الضغوط الناتجة عن مواقف
الرئيس الأميركي دونالد ترامب بما في ذلك التحقيقات القانونية المستمرة».
وعن العامل الثاني أضاف في تعليقات لـCNN الاقتصادية: «أن البيانات الاقتصادية نفسها تدعم تثبيت الفائدة، خاصةً وأن مؤشرات التضخم الأساسية مثل أسعار المستهلكين والمنتجين وأسعار الاستهلاك الشخصي لا تزال فوق مستهدفات الاحتياطي الفيدرالي، لذلك، من الصعب تخيل أي خفض في الاجتماع الحالي، خاصة مع التوترات الجيوسياسية الراهنة، والتي قد تؤثر على أسعار النفط وبالتالي التضخم».
مشهد اقتصادي متناقض.. نمو قوي وتضخم عنيد يدخل الفيدرالي هذا الاجتماع في وقت تظهر فيه البيانات الاقتصادية الأميركية نمطاً غريباً يكسر القواعد التقليدية؛ إذ تشير التقديرات إلى نمو هائل في الناتج المحلي الإجمالي للربع الأخير بنسبة تصل إلى 5.4%، وهو معدل يعكس حيوية اقتصادية كبيرة.
وفي المقابل، يظل التضخم عالقاً عند مستويات 3.0%، وهي نسبة لا تزال بعيدة عن مستهدف البنك المركزي البالغ 2%، كما تظهر بيانات سوق العمل تباطؤاً في وتيرة التوظيف.
هذا التباين يضع جيروم باول ورفاقه في مأزق؛ فالنمو السريع عادة ما يولد ضغوطاً تضخمية، بينما تظهر سوق العمل علامات تباطؤ طفيفة، وهذا الانقسام قد يعني أن الاقتصاد بدأ في «الاحماء المفرط»، وهو ما يجعل خيار خفض الفائدة مغامرة غير محسوبة العواقب في الوقت الراهن.
كيف ستتأثر الأسواق بقرار الفيدرالي؟ بحسب الخبير الاقتصادي أحمد معطي فإن تأثير الاجتماع في الأسواق سيكون محدوداً، مع تحركات طفيفة في الذهب والدولار والأسهم.
وقال: «العالم الآن يتأثر بقرارات ترامب أكثر من تأثره بالفيدرالي، فالتثبيت سيدعم استقرار الأصول مؤقتاً، لكن التحركات الكبرى القادمة، سواء في صعود الذهب والأسهم أو تراجع الدولار، ستكون مدفوعة بسياسات ترامب الاقتصادية وليس فقط ببيان الفيدرالي».
ماذا بعد؟ تشير توقعات البنوك الاستثمارية إلى أن الفيدرالي قد يستخدم فترة التثبيت لمراقبة البيانات الاقتصادية القادمة، بما في ذلك أي تغيرات محتملة في معدلات التضخم أو نمو الناتج المحلي الإجمالي، وإذا ما استمر التضخم بالارتفاع أو تباطأ النمو أكثر من المتوقع، قد تكون هناك مساحة لتخفيضات مستقبلية في الفائدة خلال العام.
ويبقى أن اجتماع هذا الأسبوع سيُختتم بمؤتمر صحفي لرئيس الاحتياطي الفيدرالي، وهو الحدث الذي عادةً يحمل مزيداً من التوضيح بشأن توجهات السياسة النقدية المستقبلية، خصوصاً في ظل الانقسامات داخل اللجنة بشأن التضخم وسوق العمل.
وفي المجمل، يمثل اجتماع الاحتياطي الفيدرالي نقطة محورية لفهم السياسة النقدية الأميركية في ظل تباين البيانات الاقتصادية والتحديات السياسية.
ويعكس تثبيت الفائدة المتوقع حذراً متزايداً من البنك المركزي، بينما الأسواق العالمية تراقب من كثب أي مؤشرات على تحرك مستقبلي قد يؤثر في الدولار والأسواق الناشئة والسلع.
هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية
