لماذا نفكّك القلق الآن؟
فى هذه المرحلة المتقدمة من سلسلة «علم اجتماع التدين لا نشتغل بوصف العابر، ولا نكتفي بتعليقات أخلاقية سريعة تُرضي الضمير ولا تُغيّر الواقع. نحن أمام عائقٍ صار مركزياً في تشكيل الوجدان الديني المعاصر: القلق المُنتَج.
الخوف لم يعد ردّ فعل على خطرٍ حقيقى أو ظرفٍ طارئ، بل أصبح منظومة: تُصاغ بوعي، وتُضخَّم باستراتيجية، وتُدار بمهارة، وتُستثمر اقتصادياً ورمزياً واجتماعياً، لذلك سمّيناه: اقتصاد الخوف؛ لأننا لا نتعامل مع شعورٍ فردىٍّ معزول، بل مع «صناعة» تُنتج الخوف وتعيد إنتاجه وتُديره كسلعةٍ في سوق الخطاب الديني.
ومن هنا فالسؤال ليس: هل الناس خائفون؟
السؤال الحقيقي: كيف صُنِع هذا الخوف؟ ولماذا استمر؟ ومن يستفيد من بقائه؟ لأن فهم العائق شرط تجاوزه، وفهم آليته شرط مقاومته.. المعرفة هنا ليست ترفاً نظرياً، بل أداة تحرّر تعيد للتدين وظيفته الأصلية: بناء السكينة والمعنى.. لا تكريس الاضطراب والجزع.
أولاً: التحوّل القيمي.. من السكينة إلى الاستنفار
التدين في جوهره جاء ليُعين الإنسان على إدارة القلق الوجودي، لا أن يُفاقمه. يقول تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]، لكن ما حدث خلال العقود الأخيرة هو انقلابٌ تدريجي في «المزاج الديني العام»: جرى تفريغ الرضا من عمقه، ثم إحلال خطابٍ يربط الإيمان بحالة طوارئ دائمة.
الرضا، بوصفه وعياً بالقدر وثقة في الحكمة الإلهية، أُعيد تعريفه عند بعض الخطابات باعتباره «تهاوناً»، بينما حلّت مكانه مفردات الطوارئ:
* توتّر دائم
* خوف من الفوات
* ترقّب للعقوبة
* قلق من المصير في كل تفصيل
فنشأ تديّن جزِع: لا يهدأ لأنه لم يعد يبني معنى، بل يحبس الإنسان داخل حالة استنفار تُشعره أنّه «مهدد» على الدوام؛ فيطلب النجاة لا بوصفها سلوكاً رشيداً، بل بوصفها إنقاذاً عاجلاً.
ثانياً: بزنسَة القلق.. من الشعور الطبيعي إلى المنظومة الربحية
القلق في أصله إحساسٌ إنساني قد يكون منبّهاً ومسئولاً، لكن الكارثة حين يتحول إلى سلعة رمزية: لا يُعالَج بل يُعاد إنتاجه، لأن استمرار القلق يصبح شرط استمرار النفوذ والتأثير.
في هذا السياق تُدار السوق عبر ثلاث آليات متكررة:
تضخيم الحديث عن الفتن بلا سياق
* تصوير النجاة كندرةٍ لا ينالها إلا القليل
* تقديم الطريق إلى الله كمسارٍ مُلغّم يحتاج منقذاً
فيتحول الإنسان إلى مستهلكٍ دائم للطمأنة.. لكن الطمأنة لا تُعطى كاملة، بل تُؤجَّل وتُشترط؛ لأن «تهدئة القلق» بمنهج حقيقي تُنهي صفقة الاستهلاك.
تفكيك العائق: ثلاث طبقات تعمل معاً:
1) طبقة اللغة: صناعة المفردات المشحونة بالخوف
اللغة بوابة الوجدان. حين تُحمَّل الكلمات الدينية بدلالات قلِقة، تصبح الكلمة مِحقنة شعورية لا ناقل معنى:
* «النجاة» تُقدَّم.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن المصرية
