بينما تتسابق الدول الغربية لإيجاد حلول لمشكلة إرهابيي تنظيم "داعش" المحتجزين في سوريا، تكشف وثائق جديدة عن استراتيجية فرنسية مثيرة للجدل: دفع ملايين اليوروهات لبغداد مقابل احتجاز مواطنيها الإرهابيين بدلاً من إعادتهم إلى باريس.
وفي سبتمبر/أيلول الماضي، نُقل 47 إرهابيا فرنسيًّا من السجون الكردية في شمال شرق سوريا إلى العراق، ضمن صفقة ثنائية غامضة تثير تساؤلات حول المسؤولية القانونية والأخلاقية، حيث يكشف تقرير لصحيفة "لو فيغارو" الفرنسية، تفاصيل هذه العملية السرية وتداعياتها على العلاقات الفرنسية-العراقية.
وفي نهاية سبتمبر/أيلول، وتحت الضغط الأمريكي، اضطرت أجهزة الاستخبارات الفرنسية، بالشراكة مع نظيراتها العراقية، إلى تنظيم نقل 47 إرهابيا فرنسيًّا محتجزين لدى الأكراد في شمال شرق سوريا إلى العراق، من بينهم مخضرمون مثل توماس بارنوان، وكوينتن لوبرون، وتوماس كولانج، ومحمد المغربي.
كان هذا اتفاقًا ثنائيًّا فرنسيًّا-عراقيًّا، لكن على عكس الاتفاق المبرم هذأ الأسبوع بين واشنطن وبغداد، لم يُحاكم الإرهابيون الفرنسيون بعد في بغداد، حيث استجوبتهم أجهزة الاستخبارات المحلية بعد وصولهم بفترة وجيزة.
منذ ذلك الحين، وحسب معلومات تلقتها "لوفيغارو"، تلقوا زيارة من أحد أعضاء القنصلية الفرنسية في بغداد، وهم محتجزون في مراكز اعتقال حول بغداد، في انتظار نقلهم إلى العدالة و"ملفهم يديره الـINIS، جهاز الاستخبارات الفرنسي، والأمن القومي، وكلاهما يتبعان رئيس الوزراء"، يوضح دبلوماسي عراقي في بغداد للصحيفة.
وفي صيف 2019، كانت فرنسا قد نقلت بالفعل 12 من متشدديها السجناء لدى الأكراد السوريين إلى العراق وسُجنوا في الناصرية بالجنوب، وحُكم عليهم بالإعدام، لكن عقوبتهم خُففت إلى السجن المؤبد.
بعد عمليات النقل هذه، يبقى حوالي 20 إرهابيا فرنسيًّا محتجزين في سوريا، دون احتساب العديد من الزوجات والأطفال المجمعين في مخيمات، انتقلوا أيضًا تحت سلطة دمشق.
باريس تدفع الثمن
"خذوهم جميعًا، نكرر ذلك للسلطات الفرنسية منذ سنوات، نحن لسنا مكبًّا للمتشددين الأجانب"، يؤكد الدبلوماسي العراقي لـ"لوفيغارو". لكن "التجربة التي لدينا مع الـ12 السابقين ليست مشجعة، يضيف، لذلك ستستمرون في دفع تكاليف احتجازهم؛ لأن تأمينهم يكلفنا غاليًا".
وأكدت عدة مصادر أن باريس تدفع بشكل غير مباشر، من خلال ترتيبات مالية غامضة، تكاليف إقامة وإطعام إرهابيها الذين تطلب فرنسا من العراق سجنهم.
"تمويل هذه الاحتجازات جزء من حزمة المفاوضات التي نجريها مع العراقيين بشأن تعاوننا في المجالات الاقتصادية وغيرها"، يؤكد دبلوماسي فرنسي، بينما تقول وزارة الخارجية الفرنسية أنه "ليس لديها ما تضيفه" على هذه الادعاءات.
كما يؤكد محامي أحد الفرنسيين هذه التعويضات "لتجنب استعادة فرنسا لقنبلة موقوتة". ويذكّر الدبلوماسي العراقي المذكور أعلاه أن المفاوضات في 2019 كانت حول "مليون يورو لكل إرهابي فرنسي ".
انفصام الشخصية الفرنسية
وبينما استعادت الولايات المتحدة وروسيا وتركيا، على وجه الخصوص، مواطنيها، تُبدي بغداد أسفها لما تصفه بـ"انفصام في الموقف الفرنسي" حيال هذا الملف.
ويقول دبلوماسي في بغداد: "تطلبون منا استعادتهم، حسنًا نفعل ذلك لأن فرنسا أحد حلفائنا ولدينا معها تعاون قضائي. لكن عندما تحكم عدالتنا عليهم بالإعدام تحتجون، وعندما نطلب منكم استعادتهم ترفضون. لم نعد نفهمكم"، على حد تعبيره.
وتضيف بغداد أن هذا التناقض مستمر منذ سنوات، مشيرة إلى عدم تسليم فرنسا أحمد الأسودي، وهو عراقي يُشتبه في ارتكابه جرائم باسم تنظيم داعش، ويقيم حاليًّا في ضواحي باريس.
هذا المحتوى مقدم من قناة الرابعة
