الموتُ حقٌّ كتبه الله على عباده، لا يقدّمه حذرٌ ولا يؤخّره أمل، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. وفي أواخر الأسبوع الماضي، ودّعنا والدنا - رحمه الله رحمةً واسعة، وغفر له، وجعل قبره روضةً من رياض الجنة - في لحظةٍ يتجلّى فيها معنى التسليم لقضاء الله، ويختبر الإنسان فيها صبره وإيمانه، حين يغيب الجسد ويبقى الأثر، وتتحوّل الذكريات إلى دعاء لا ينقطع، وحزنٍ صامت لا تداويه إلا الرحمة واليقين.
لم يكن الفقيد أبًا لأسرتنا فحسب، بل كان مثالًا للأب العطوف الحنون الذي حمل على عاتقه مسؤوليات تتجاوز حدود بيته، وترك أثرًا لا تمحوه السنين في نفوس كل من عرفه أو تعامل معه. عُرف بصدقه، ودماثة خلقه، وطيب معشره، وسيرته العطرة التي ظلّت حاضرة في المجالس والقلوب قبل الألسنة.
نشأ والدنا - رحمه الله - في بيئةٍ بسيطةٍ أصيلة، في محافظة بدر الجنوب، تلك الأرض التي تُخرّج رجالها على الصبر والعمل والاعتماد على النفس، حيث كانت الحياة تقوم على الكدّ الشريف، وتُقاس القيم بالفعل لا بالقول. وفي هذه البيئة تشكّلت ملامح شخصيته منذ وقتٍ مبكر، فكان مثالًا للإنسان الذي يبني حياته بجهده، ويشق طريقه بثقةٍ وإصرار، مستندًا إلى أخلاقٍ راسخة وتربيةٍ صلبة. وبدافعٍ من حب الوطن واستشعار المسؤولية، التحق بالخدمة العسكرية، فكانت تلك المرحلة امتدادًا طبيعيًا لما نشأ عليه، وأسهمت في صقل شخصيته، وتعميق معاني الانضباط وتحمل المسؤولية، وهي السمات التي ظلّت ملازمة له طوال حياته، وشهد بها كل من عرفه وتعامل معه.
لم يكن العمل العسكري بالنسبة له مجرد وظيفة أو مصدر رزق، بل كان التزامًا أخلاقيًا ورسالة وطنية يؤديها المواطن بشرف وفخر. لذلك عُرف بين زملائه بالاتزان، وحسن التعامل، والالتزام الصادق بواجباته، مقدّرًا لمن عمل معهم، حريصًا على أن يترك أثرًا طيبًا في كل موقع خدم فيه.
وحتى بعد تقاعده، ظلّت ملامح الانضباط والالتزام حاضرة في شخصيته. كان يستعيد ذكرياته عن أيام العمل بحب واعتزاز، ويحكي لنا مواقف غرست في نفوسنا تقدير هذا الوطن الكريم والانتماء إليه. ومع دخولنا، نحن أبناءه، مجالات العمل العام، ظل يوصينا جميعًا - أنا وإخوتي - بتقديم المصلحة الوطنية على ما سواها، وبالعمل بإخلاص في كل موقع مسؤولية، مؤمنًا بأن خدمة الوطن لا تتوقف عند منصب، ولا تُقاس بمرحلة زمنية.
وبعيدًا عن الجانب العملي، كان الراحل فاعلًا في محيطه الاجتماعي، واصلًا لرحمه، ساعيًا في قضاء حوائج الناس، محبًا للإصلاح ولمّ الشمل، داعيًا إلى الألفة والوحدة، فظل محل تقدير واحترام واسع بين أهله ومعارفه.
وأعترف أننا كنّا نظن، في وقتٍ مضى، أن إحساس اليُتم يقتصر على صغار السن عند.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
