الذهب وتسعير الحروب لا الفائدة.. وسياسات ترامب تعيد للأذهان «صدمة نيكسون»

قفزت أسعار الذهب صباح اليوم الأربعاء 28 يناير 2026 إلى مستويات غير مسبوقة عبر التاريخ بملامسة مستوى 5225 دولاراً للأوقية، في مشهد مثير للدهشة، يمثل زلزالاً لعرش الدولار الأميركي المهتز منذ قدوم الرئيس الأميركي دونالد ترامب لرئاسة أميركا في 20 يناير 2025.

ولم يعد صعود الذهب مجرد رد فعل نفسي أو تحوّط تقليدي في أوقات الاضطراب، بل تحوّل إلى مؤشر بنيوي على خلل عميق في النظام النقدي العالمي.

فكما شكّل قرار الرئيس الأميركي الراحل ريتشارد نيكسون عام 1971 بفك ارتباط الدولار بالذهب في لحظة فاصلة أنهت نظاماً مالياً كاملاً، تعيد السياسات الاقتصادية التي يتبناها دونالد ترامب إلى الواجهة سؤالاً وجودياً: هل ودع العالم بالفعل عصر هيمنة الدولار؟، وهل فك ترامب بسياساته ارتباط العالم بالدولار عمداً أم من دون قصد؟!.

تصريحات ترامب وإثارة الذعر

فصدمة الأخبار المتتابعة التي يطلقها الرئيس الأميركي ترامب تثير رعب العالم، وتعيد للأذهان صدمة نيكسون حين واجهت أميركا تضخماً مرتفعاً بسبب تكاليف حرب فيتنام وبرامج الإنفاق الداخلي، فما كان من الحلفاء (مثل فرنسا وألمانيا) إلا أن ساورهم الشك في قدرة أميركا على تغطية دولاراتها بالذهب، فبدؤوا بالمطالبة باستبدال دولاراتهم بذهب حقيقي، ما أدى إلى نزيف حاد في احتياطي الذهب الأميركي، فكان قرار «نيكسون» بفك الارتباط".

اليوم، الذهب لا يرتفع لأنه «ملاذ آمن» فقط، بل لأنه يسعر نفسه على وقع نغمة الحروب التجارية التي رسخ لها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرسوم الجمركية والتدخل العسكري في قضايا الشرق الأوسط، وسط اشتعال متجدد للحرب الروسية الأوكرانية، مع بقاء أسعار الفائدة أسيرة انتظار المشهد كرد فعل لا كفعل المبادرة.

الذهب.. من ملاذ آمن إلى عملة الحروب الصامتة

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط وبحر الصين الجنوبي، عاد الذهب إلى دوره التاريخي كأصل بلا سيادة سياسية، العقوبات الاقتصادية، وتجميد الاحتياطيات الأجنبية، واستخدام النظام المالي كسلاح، كلّها عوامل كسرت وهم أن الدولار وحده يشكّل «الاحتياطي الآمن» في أوقات الأزمات.

اليوم، لم يعد الذهب أداة دفاعية فحسب، بل أصبح لغة مشتركة بين اللاعبين الكبار حين تتآكل الثقة في العملات، في هذا السياق، تغيّر سؤال التسعير نفسه في الأسواق العالمية: لم يعد «كم يساوي الأصل بالدولار؟»، بل كم أونصة ذهب تشتري هذا الأصل؟، وهذا التحوّل يعكس عودة صامتة إلى ما يمكن تسميته «التسعير الحقيقي بالأصول الصلبة".

مفارقة الفائدة المرتفعة.. والذهب الذي يرفض الهبوط

وفق القواعد الكلاسيكية للاقتصاد، يفترض أن يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى تراجع الذهب، باعتباره أصلاً لا يدر عائداً، لكن ما نشهده اليوم هو كسر واضح لهذه العلاقة التاريخية. فرغم تشديد السياسة النقدية الأميركية وبلوغ العوائد مستويات مرتفعة، وبلوغ مؤشرات أسهم وول ستريت مستويات قياسية بما يعني تحقيق عوائد غير مسبوقة للمستثمرين، نجد الذهب يواصل تسجيل قمم جديدة.

هذه المفارقة تكشف حقيقة أعمق، مفادها أن الخوف من المخاطر السيادية بات أقوى من إغراء العائد، فالمستثمرون، وحتى البنوك المركزية، باتوا مستعدين للتخلي عن العائد الاسمي مقابل امتلاك أصل لا يمكن طباعته، ولا مصادرته، ولا إخضاعه لقرار سياسي مفاجئ.

من صدمة نيكسون إلى صدمة ترامب

في أغسطس 1971، أنهى نيكسون نظام بريتون وودز، ومنح الولايات المتحدة امتياز إصدار العملة العالمية بلا غطاء، فكانت تلك اللحظة بداية عصر المال الورقي غير المقيّد، وعقود من الهيمنة النقدية للدولار، قائمة على الثقة في قوة الاقتصاد الأميركي ومؤسساته.

لكن هذه الهيمنة لم تكن قدراً أبدياً، فاليوم، تأتي «صدمة ترامب» بشكل مختلف وأكثر تعقيداً. فالحمائية التجارية، والرسوم الجمركية، وإعادة توطين سلاسل الإمداد، والأهم استخدام الدولار والعقوبات كسلاح جيوسياسي، لا تعزز مكانة العملة الأميركية بقدر ما تدفع العالم إلى البحث عن بدائل.

النتيجة هي تسارع ظاهرة إلغاء الدولرة، وتوسع التبادل بالعملات المحلية، وصعود تكتلات اقتصادية تسعى لبناء أنظمة دفع وتسوية خارج المنظومة التقليدية، فإذا كان نيكسون قد حرّر الدولار من الذهب، فإن سياسات ترامب من دون أن يدري، أو بمحض إرادته، تدفع العالم لتحرير نفسه من الدولار.

البنوك المركزية العودة الصامتة إلى الذهب

أحد أكثر التحولات دلالة هو السلوك الجديد للبنوك المركزية، فخلال السنوات الأخيرة، شهد العالم أكبر موجة شراء ذهب منذ عقود، تقودها دول كبرى وصاعدة على حد سواء، هذه المشتريات لا تعكس مضاربة، بل إعادة تعريف لمفهوم الاحتياطي الآمن.

فالذهب هنا لا يُشترى لتحقيق أرباح سعرية، بل ليكون الضامن الأخير للثقة في عالم تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية والنقدية.

هل نحن أمام معيار ذهبي جديد؟

الذهب عاد ليكون خط الدفاع الأخير عن الاستقرار النقدي، فما نشهده اليوم لا يعني عودة إلى المعيار الذهبي الكلاسيكي، لكنه يشير إلى ولادة نسخة حديثة منه، وقد يكون هذا المعيار رقمياً، أو متعدد الأصول، أو قائماً على الذهب كمرجعية ثقة لا كغطاء مباشر.

وفي جميع الحالات، يتراجع مفهوم المال القائم على الثقة السياسية وحدها، لصالح المال المدعوم بالأصول الحقيقية.

ارتفاع الذهب اليوم ليس فقاعة مضاربية ولا حنيناً إلى الماضي، بل تصويت عالمي ضد المال الورقي غير المنضبط، فنحن لا نشهد نهاية الدولار، بل نهاية هيمنته المطلقة، وبداية نظام نقدي أكثر تعقيداً وتعددية، حيث تعود الأصول الحقيقية إلى قلب المعادلة، فحين تهتز الثقة.. يعود العالم دائماً إلى الذهب.


هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من منصة CNN الاقتصادية

منذ 11 ساعة
منذ 8 ساعات
منذ ساعتين
منذ 11 ساعة
منذ 10 ساعات
منذ ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 14 ساعة
فوربس الشرق الأوسط منذ 22 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 14 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 16 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 12 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 11 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 4 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 8 ساعات