وأنا أتابع الاجتماع التشاوري الذي عقد في الرياض، والذي جمع قيادات ومكونات المشهد السياسي والاجتماعي في الجنوب اليمني، وما لحقه من زخم سياسي غير مسبوق تمهيداً لمؤتمر الحوار الجنوبي الشامل، وفي مسعى جاد لبلورة رؤية سياسية جامعة تعالج القضية الجنوبية عبر مسار سياسي وأمني شامل، بعيداً عن العنف والتصعيد، وعن إنتاج صراعات لا تخدم اليمن ولا مستقبله، استحضرتُ قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوباً، الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية». فالحكمة اليمنية، عبر التاريخ، لم تكن مجرد وصفٍ أخلاقي، بل شكّلت ركيزة أصيلة في إدارة التعدد والخلاف بين المكونات اليمنية، وقاعدة لتغليب المصلحة العامة على اعتبارات اللحظة، والاصطفاف، والانفعال السياسي. ومن هنا يبرز الحوار الجنوبي الجنوبي في هذه اللحظة الإقليمية الدقيقة بعدّه مساراً يمنيّاً يمنيّاً أصيلاً، ومحطة مفصلية لإعادة صياغة مستقبل جنوب اليمن، عبر ترميم الثقة بين المكونات الجنوبية، ومنع الانقسام الداخلي، وإعادة ترتيب الأولويات حول استقرار الجنوب بوصفه ركيزة لاستقرار اليمن ككل، وليس ساحة صراع جديدة.
القضية الجنوبية قضية مهمة وتعدّ من القضايا الوطنية الجوهرية في المشهد اليمني، وقد تصدرت المشهد السياسي في الآونة الأخيرة بوصفها واحدة من أكثر الملفات حضوراً وتأثيراً في معادلة الاستقرار الوطني، في ظل التطورات السياسية والأمنية التي شهدتها المحافظات الجنوبية، ولا سيما حضرموت والمهرة، وما استتبعها من تدخل لتحالف دعم الشرعية بهدف حماية الاستقرار ومنع اتساع دائرة التوتر. ومنذ اندلاع الأزمة اليمنية عام 2011، لم تكن القضية الجنوبية ملفاً قابلاً للتجاوز أو الاختزال، بل ظلت حاضرة في صلب النقاش الوطني، وحظيت باهتمام واعتراف صريح بعدالتها ضمن مخرجات الحوار الوطني اليمني الشامل، بوصفها تعبيراً عن مطالب سياسية وحقوقية ومجتمعية متراكمة، لا يمكن التعامل معها كقضية هامشية، بل كاستحقاق وطني يتطلب معالجة شاملة ومتدرجة. ويعكس قبول المكون الجنوبي بطرح هذه القضية ضمن إطار الحوار إدراكاً سياسياً واعياً بأن معالجتها لا يمكن أن تتحقق عبر حلول جزئية أو منطق الغلبة، وإنما من خلال مسار حواري عقلاني ومتدرج، يعالج جذور الإشكاليات، ويستوعب التحولات القائمة، ويوازن بصورة مسؤولة بين الحقوق المشروعة لأبناء الجنوب ومتطلبات الاستقرار الوطني الشامل، انطلاقاً من توافق وطني جنوبي شامل يعبر عن التطلعات الشعبية دون إقصاء أو تهميش.إن رعاية السعودية لهذا الحوار بطلب من رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، تعدّ إعادة اعتبار للدبلوماسية الوقائية كأداة استراتيجية، لا بوصفها إدارة للأزمات فحسب، بل بوصفها منهجاً لبنائها على أسس مستدامة. فالسعودية الحريصة على أمن اليمن واستقراره والتي خبرت تعقيدات الملف اليمني على مدى سنوات، بحكم الجوار الجغرافي والامتداد الاجتماعي والتداخل.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشرق الأوسط
