في سباق محموم يتجاوز حدود الزمن، لا تقتصر المنافسة على الثروة بين أقطاب التكنولوجيا المعاصرين فحسب، بل تمتد لتضعهم في مواجهة مباشرة مع أشباح الماضي الصناعي للولايات المتحدة.
وتكشف البيانات المعدلة وفقًا لمعدلات التضخم لعام 2025 عن مشهد مالي معقد، حيث يتربع «إيلون ماسك» على قمة هرم الأثرياء في التاريخ الأمريكي، بينما لا تزال ثروات أباطرة القرن التاسع عشر والعشرين تنافس بقوة، مشكلة تحديًا لسطوة وادي السيليكون.
ماسك يغرد منفردًا خارج السرب تشير التقديرات المستندة إلى بيانات «فوربس» ومؤشر أسعار المستهلك الأمريكي، إلى أن إيلون ماسك قد حجز لنفسه مكانًا غير مسبوق في التاريخ المالي برصيد يقارب 744.6 مليار دولار (بقيمة دولار 2025). هذه الثروة الهائلة، التي تغذيها القفزات النوعية لشركتي «تسلا» و«سبيس إكس»، لم تضعه في مقدمة المعاصرين فحسب، بل جعلته يتفوق بفارق شاسع حتى على أعتى الأسماء التاريخية.
ومع ذلك، فإن هذا التفوق الكاسح للتكنولوجيا الحديثة لم ينجح في طمس إرث العصر الصناعي. فخلف ماسك مباشرة، لا يزال عمالقة "المال القديم" يحتفظون بمواقعهم المتقدمة؛ إذ يأتي «جون دي روكفلر» (1839 1937)، مؤسس شركة «ستاندرد أويل»، في المرتبة الثانية بثروة معدلة تبلغ 499.0 مليار دولار، يليه مباشرة إمبراطور الصلب «أندرو كارنيجي» (1835 1919) بثروة تقدر بـ 459.6 مليار دولار.
التكنولوجيا ضد الصناعة الثقيلة تخلق هذه الأرقام مفارقة جوهرية في قراءة تاريخ الثراء الأمريكي؛ فبينما يهيمن قادة التكنولوجيا الحديثة على القوائم الحالية، فإن ثروات الماضي التي صُنعت من النفط والصلب والسكك الحديدية لا تزال تلوح في الأفق كقوى لا يستهان بها. يحتل «كورنيليوس فاندربيلت» (1794 1877)، قطب الشحن والسكك الحديدية، المرتبة الرابعة بثروة تبلغ 275.3 مليار دولار، متفوقًا بذلك على مؤسسي «جوجل» و«أمازون».
يعود السبب في ضخامة هذه الثروات التاريخية إلى السياق الاقتصادي لتلك الحقبة، حيث بُنيت هذه الإمبراطوريات خلال فترات التصنيع السريع، مستفيدة من المزايا الاحتكارية وغياب التنظيمات الصارمة، مما سمح للثروة بالتراكم بمعدلات استثنائية قد يصعب تكرارها بنفس الآليات التقليدية اليوم.
كتيبة التكنولوجيا الحديثة على الرغم من صمود الحرس القديم، فإن قائمة العشرة الأوائل وما يليها تشهد زحفًا تقنيًا واضحًا. يأتي «لاري بيج»، الشريك المؤسس لشركة جوجل، في المرتبة الخامسة بثروة 257.6 مليار دولار، يليه «لاري إليسون» من أوراكل بـ 249.4 مليار دولار. أما «جيف بيزوس»، مؤسس أمازون، فيحل سابعًا بـ 244.0 مليار دولار، متقدمًا على «سيرجي برين» (237.7 مليار دولار) و«مارك زوكربيرج» (227.4 مليار دولار).
وتستمر القائمة بأسماء لامعة مثل «جنسن هوانغ»، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيدبا، بثروة 165.4 مليار دولار، و«ستيف بالمر»، الرئيس التنفيذي السابق لمايكروسوفت، بـ 148.3 مليار دولار. هذا الحضور الطاغي يؤكد أن البرمجيات والرقائق الإلكترونية باتت هي "النفط الجديد" الذي يضخ المليارات في جيوب المبتكرين.
العقارات والسلالات العائلية بعيدًا عن صخب التكنولوجيا ودخان المصانع، تبرز في القائمة جذور الثروة الأمريكية الأولى القائمة على التجارة والعقارات. يظهر «جون جاكوب أستور» (1763 1848)، الذي بنى ثروته من تجارة الفراء والعقارات، في المرتبة العاشرة بـ 180.0 مليار دولار، بينما يحضر «ستيفن جيرارد» (1750 1831) بثروة 156.3 مليار دولار جمعها من الأعمال المصرفية والتجارة.
ولا تقتصر القائمة على المؤسسين الأفراد، بل تسلط الضوء أيضًا على الثروات المتوارثة عبر الأجيال. إذ يبرز أعضاء عائلة «والتون» (روب، جيم، وأليس) بشكل فردي، مما يعكس الحجم الهائل والدائم لإمبراطورية «وول مارت». كما تشير البيانات إلى سلالات مصرفية وصناعية أخرى مثل عائلة «ميلون»، لتكتمل بذلك لوحة فسيفسائية تجمع بين عبقرية الابتكار الحديث، وقوة الاحتكار الصناعي، وعراقة الأصول العقارية والمصرفية، مشكلةً معًا تاريخ الثراء في الولايات المتحدة.
هذا المحتوى مقدم من العلم
