ما وراء الخطاب الشعبوي: كيف تصنع واشنطن قراراتها
لماذا تبقى السياسة الأميركية مستقرة رغم الفوضى
من الخارج تبدو قرارات رؤساء الولايات المتحدة وليدة نزوة أو لحظة غضب، لكن خلف هذا المظهر الشعبوي تعمل ماكينة مؤسسية تضم خيرة الباحثين والمفكرين، تُخضع الرغبات الفردية لمراحل طويلة من التمحيص والتوازنات. هذه الحقيقة كثيرا ما تغيب عن التغطيات الإعلامية التي تركز على شخصية الرئيس وصفاته أكثر مما تركز على النظام الذي يحيط به. في عهد دونالد ترامب تضاعف هذا الانطباع بسبب أسلوبه الصاخب وتغريداته المثيرة للجدل، لكن القرارات الكبرى التي اتخذها لم تكن معزولة عن المؤسسة، بل استندت إلى توصيات وتحليلات تراكمت عبر سنوات داخل أجهزة الدولة.
التركيز الإعلامي على الفرد مفهوم من زاوية الإثارة الصحفية ومحاولة جذب القراء، لكنه مضلل حين يصبح أداة تفسير وحيدة. الانسحاب من اتفاق باريس للمناخ أو من الاتفاق النووي الإيراني بدا وكأنه قرار شخصي، لكنه في الواقع كان يعكس تيارات فكرية ومؤسسية سابقة. الحرب التجارية مع الصين، التي صوّرت على أنها مواجهة شخصية بين ترامب وشي جين بينغ، كانت نتيجة تراكم إستراتيجيات داخل البنتاغون ومجلس الأمن القومي ومراكز الأبحاث، حذرت منذ سنوات من صعود الصين كمنافس إستراتيجي.
الهيكل المؤسسي في واشنطن يشبه مصنعا ضخما تتقاطع فيه خطوط إنتاج متعددة: مجلس الأمن القومي ووزارات الخارجية والدفاع والمالية وأجهزة الاستخبارات تدير بيروقراطيات واسعة وتنتج توصيات دقيقة
وبالمثل، فإن مواقفه من القضايا الساخنة في الشرق الأوسط لم تكن معزولة عن المؤسسة. دعمه غير المشروط لإسرائيل في غزة، وتردده في الانسحاب الكامل من سوريا، وتشديده العقوبات على إيران، كلها بدت وكأنها قرارات فردية، لكنها في الواقع كانت تعكس ضغوطا من الكونغرس، وتوصيات من المؤسسة الأمنية، وتحالفات إقليمية راسخة.
ترامب أضفى على هذه السياسات طابعا شعبويّا، لكنه لم يبتكرها من العدم. حتى قرارات بدت فردية تماما، مثل التهديد بسحب القوات من كوريا الجنوبية أو من حلف شمال الأطلسي، اصطدمت بجدار المؤسسة الأمنية والكونغرس، ما أجبر الرئيس على التراجع أو التعديل. هذا التفاعل بين الفرد والمؤسسة هو ما يفسر استمرارية السياسة الأميركية رغم تغير الأشخاص.
الهيكل المؤسسي في واشنطن يشبه مصنعا ضخما تتقاطع فيه خطوط إنتاج متعددة. مجلس الأمن القومي ينسق السياسات الأمنية، وزارات الخارجية والدفاع والمالية تدير بيروقراطيات واسعة تنتج توصيات دقيقة، وأجهزة الاستخبارات تقدم تقديرات رسمية تؤثر في أي قرار رئيسي. الكونغرس يملك سلطة التمويل والتشريع والمساءلة، والمحكمة العليا تراجع القرارات التنفيذية وتبطلها إذا خالفت الدستور. مراكز الأبحاث تضخ أفكارا وكوادر بشرية للإدارات المتعاقبة، واللوبيات تضغط لتمرير مصالحها، والإعلام يراقب ويكشف. هذه الشبكة المعقدة تجعل من أي قرار رئاسي محصلة لتفاعل قوى متعددة، لا مجرد انعكاس لرغبة فردية.
في حالة ترامب، بدا أن الأسلوب الشخصي يطغى على المؤسسة. هاجم الاستخبارات علنًا، انتقد الجيش، وأقال وزراء عبر تويتر. لكن حتى في هذه الحالات، كان النظام قادرا على احتواء التجاوزات. آليات الرقابة والتوازنات التي صممها الدستور الأميركي أثبتت فاعليتها. الكونغرس رفض تمويل بعض سياسات الرئيس، مثل الجدار الحدودي مع المكسيك، ومرر قوانين تحد من صلاحياته، وشرع في إجراءات عزله.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية
