لم تأتِ كلمة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس بوصفها خطاباً اعتيادياً في منتدى اعتاد منذ سنوات طويلة لغة التهدئة والتوازنات الحذرة؛ بل بدت أقرب إلى إعلان سياسي صريح يخرج عن تقاليد المنتدى نفسه. ففي قاعة لطالما امتلأت بعبارات الثقة بالعولمة وبـ«النظام القائم على القواعد»، اختار كارني أن يقول بوضوح إن العالم لم يعد يعيش مرحلة انتقالية؛ بل قطيعة فعلية مع نظام دولي لم يعد يعمل، لا أخلاقياً ولا عملياً.
الرسالة المركزية في الخطاب لا تقوم على توصيف أزمة عابرة؛ بل على تشخيص انهيار بنيوي. فالنظام الذي افترض أن التكامل الاقتصادي سيحدّ من الصراعات، وأن القواعد الدولية ستُحترم تلقائياً، تحوّل إلى أداة انتقائية تُستخدم عندما تخدم مصالح الأقوياء، وتُهمَل عندما تعيقهم.
هنا، لم يكتفِ كارني بوصف الخلل؛ بل أعلن أن الحنين إلى هذا النظام لم يعد سياسة، وأن التمسك به على هذا النحو ليس دفاعاً عن الاستقرار؛ بل هو إنكار متعمّد للواقع.
لكن اللافت في الكلمة أن النقد لم يُوجَّه إلى القوى الكبرى وحدها؛ بل إلى الدول المتوسطة التي واصلت التصرّف وكأن النظام ما زال قائماً. هذه الدول -حسب كارني- ساهمت في استمرار الوهم عبر التظاهر بالتصديق، وعبر ترديد خطاب «النظام القائم على القواعد» حتى بعد أن أصبح تطبيقه انتقائياً وفاقداً للمصداقية.
في هذا السياق، استحضر فكرة «العيش داخل الكذبة»، ليشير إلى أن النظام لا يستمر بالقوة وحدها؛ بل بمشاركة الآخرين في طقوس الإنكار الجماعي. حين قال إن الوقت حان «لإنزال اللافتات»، لم يكن يستخدم استعارة أدبية؛ بل يطلق دعوة سياسية مباشرة للتوقف عن ترديد شعارات لم تعد تحمي أحداً. الرسالة هنا حادّة: الاستمرار في استخدام اللغة القديمة يساهم في إدامة نظام غير عادل، ويمنح القوى المهيمنة غطاءً أخلاقياً زائفاً لممارساتها. الصراحة -في نظره- لم تعد ترفاً فكرياً؛ بل صارت شرطاً لأي سياسة واقعية في عالم يتجه نحو مزيد من الفوضى المقنَّعة.
ويتعمَّد كارني في خطابه كسر فكرة طالما رافقت النقاشات الدولية، مفادها أن الدول المتوسطة محكومة بلعب دور الوسيط أو الموازن بين الكبار. على العكس، يقدّم تصوراً يعتبر فيه أن هذه الدول -إذا تصرَّفت جماعياً وبوعي استراتيجي- قادرة على التأثير في شكل النظام الدولي الجديد، لا الاكتفاء بالتكيُّف معه. فالمشكلة -في منطقه- ليست في الحجم؛ بل في الاستعداد لتحمُّل تكلفة القرار، والخروج من منطقة الراحة التي وفَّرها النظام القديم.
ويذهب الخطاب أبعد من ذلك، حين يلمِّح إلى أن أخطر ما في المرحلة الراهنة ليس استخدام القوة العسكرية أو الاقتصادية فحسب؛ بل تآكل فكرة الردع الأخلاقي نفسها. فعندما تُطبَّق القواعد على الخصوم وتُعلَّق عند الحلفاء، يتحوَّل القانون الدولي من مرجعية إلى أداة، وتفقد القيم قدرتها على.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشرق الأوسط
