مع تسجيله مستويات غير مسبوقة عالمياً، دخل المعدن الأصفر مرحلة جديدة من التسعير تعكس تبدلات أوسع في المشهد الاقتصادي العالمي. هذا الارتفاع المتسارع، الذي دفع سعر الأونصة إلى تجاوز 5311 دولاراً، لم يعد يُقرأ كحركة سعرية عابرة، بل كمؤشر على تحولات في سلوك المستثمرين، وتزايد الطلب التحوطي في ظل بيئة عالمية تتسم بعدم اليقين.
هذه القفزات السعرية وجدت طريقها سريعاً إلى السوق الأردنية، حيث انعكست مباشرة على حركة التداول، وأعادت رسم سلوك المتعاملين بين من اتجه إلى البيع وجني الأرباح عند المستويات المرتفعة، ومن فضّل الاستمرار في الشراء تحوّطاً وترقباً لمسار الذهب في المرحلة المقبلة.
توقعات بتراجع الدين العام الأردني دون 83% من الناتج المحلي الإجمالي
مشهد استثماري جديد
الصعود السريع للذهب إلى مستويات 5311 دولاراً للأونصة لم يكن ضمن السيناريوهات التقليدية للأسواق. فحتى أكثر التقديرات تفاؤلاً كانت تشير إلى إمكانية بلوغ مستوى 5000 دولار خلال العام، لا أن يتجاوزه بفارق واضح وفي وقت مبكر من بدايته.
ويعكس هذا الارتفاع تحولات عميقة في سلوك المستثمرين عالمياً، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية، وارتفاع مستويات الدين العام، والمخاوف المتجددة من التضخم وتباطؤ النمو. وفي مثل هذا المناخ، عاد الذهب ليتصدر المشهد كأداة تحوط رئيسة، ليس للأفراد فقط، بل أيضاً للمؤسسات والبنوك المركزية.
السوق الأردنية بين البيع والشراء
على المستوى المحلي، يؤكد نقيب أصحاب محال تجارة وصياغة الحلي والمجوهرات، ربحي علّان، في حديثه لـ«إرم بزنس»، أن السوق الأردنية تعيش حالة انقسام واضحة نتيجة الارتفاعات القياسية في أسعار الذهب.
ويقول علّان إن نحو 30% من المتعاملين يتجهون، حالياً، إلى جني الأرباح وبيع مدخراتهم من الذهب، مستفيدين من المستويات المرتفعة التي بلغها المعدن الأصفر.
في المقابل، يشير إلى أن نحو 70% من المتعاملين لا يزالون يؤمنون بالذهب كملاذ آمن، ويواصلون الشراء بدل البيع، سواء بهدف الادخار أو التحوط طويل الأجل، في ظل قناعة بأن الاتجاه العام للذهب ما يزال صاعداً.
مجموعة من السبائك لبعض المعادن النفيسة «فضة، ذهب، بلاتينوم، ونحاس».
قفزات الأسعار محلياً بالدينار الأردني
وعكست التسعيرة اليومية للذهب في الأردن حدة الارتفاعات العالمية، إذ بلغ سعر بيع غرام الذهب عيار 21، الأكثر طلباً لدى المواطنين في السوق المحلية، 107.10 دنانير لغايات البيع من محالّ الصاغة، مقابل 102.60 دينار للشراء.
وبحسب التسعيرة ذاتها، بلغ سعر الغرام الواحد من الذهب عيار 24 نحو 122.30 ديناراً للبيع، فيما سجل سعر غرام عيار 18 حوالي 95.20 ديناراً، وعيار 14 نحو 74.30 ديناراً، ما يؤكد انتقال القفزات السعرية العالمية بشكل مباشر إلى السوق الأردنية.
ليرات وأونصات وسبائك.. والحلي في الهامش
وأوضح علّان أن الطلب في السوق الأردنية يتركز بشكل أساس على الليرات الذهبية والأونصات والسبائك، مشيراً إلى أن الليرات تتصدر حركة الشراء نظراً لسهولة تداولها ومرونتها العالية عند البيع.
وفيما يتعلق بالحلي والمشغولات الذهبية، لفت إلى أن الإقبال عليها «ضعيف لكنه غير معدوم»، مرجعاً ذلك إلى ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، مؤكداً أن المستهلك بات يفضل الذهب الخام القابل للتسييل أكثر من الذهب المخصص للزينة.
الفضة حاضرة.. لكن دون بريق الذهب
وحول الفضة، أكد علّان أن السوق الأردنية تشهد إقبالاً على شرائها خلال الفترة الحالية، إلا أن هذا الإقبال لا يزال أقل بكثير من حجم الطلب على الذهب.
وأشار إلى أن بعض المواطنين يتجهون إلى شراء الفضة ضمن سياسة تنويع المدخرات، إلا أن الثقة الأكبر تبقى موجهة نحو الذهب، باعتباره أكثر استقراراً وأقل تقلباً مقارنة ببقية المعادن.
الذهب يحطم حاجز 5300 دولار.. الدولار الضعيف يُعبَّد طريق الـ6 آلاف
بين الفرصة والمخاطرة
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي حسام عايش، في حديثه لـ«إرم بزنس»، أن الأسواق تقف، حالياً، على مفترق طرق حقيقي، مشيراً إلى أن الارتفاعات في أسعار الذهب والفضة ما تزال قائمة، وأن فرص الاستثمار لا تزال متاحة، لكن الذروات السعرية غير المتوقعة تتطلب قراءة عقلانية وإدارة واعية للمخاطر.
وأوضح عايش أن الاستثمار في الذهب أو الفضة يجب أن ينطلق من منطق اقتصادي وقدرة فعلية على تحمل المخاطر، لا بدافع الاندفاع أو الخوف من تفويت الفرصة، محذراً من أن هذه المستويات السعرية قد ترهق صغار المستثمرين إذا لم يتم الدخول إليها بحسابات دقيقة.
وأضاف أن الاستثمار أو حتى المخاطرة يبقيان خيارين مشروعين، شرط أن يكون التمويل من فائض المال وليس من الاحتياجات اليومية أو المدخرات الأساسية، وبما ينسجم مع قدرة المستثمر على الصبر وتحمل التذبذب.
الذهب ودوره في دعم الاستقرار النقدي
وفي بعد أوسع، أشار عايش إلى أن الارتفاع المستمر في أسعار الذهب يعزز من قيمة احتياطيات البنك المركزي، ما ينعكس إيجاباً على الاستقرار النقدي، ويساعد في مواجهة أعباء المستوردات، خاصة في ظل ارتفاع فاتورة الطاقة والغذاء عالمياً.
وأكد أن هذه الميزة تمنح الاقتصاد الوطني هامش أمان إضافياً، حتى في ظل التحديات التي تواجه الأفراد والمستثمرين الصغار.
بين الفرصة والمجازفة
بين قمم سعرية تاريخية وتحذيرات من مخاطر غير محسوبة، يقف الذهب، اليوم، في قلب معادلة معقدة تجمع بين الفرصة والمجازفة. ففي حين يواصل المعدن الأصفر ترسيخ مكانته كملاذ آمن وركيزة للاستقرار النقدي، تفرض الأسعار المرتفعة واقعاً جديداً يتطلب وعياً استثمارياً أعلى، خاصة في سوق أردنية باتت منقسمة بين من يبيع بحذر، ومن يشتري بثقة، ومن يترقب الخطوة التالية.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

