في بقعة مميَّزة من شرق العالَم الإسلاميّ، تتّسم بالثراء الفكريّ والعلميّ، وتتّصف بالتنوُّع الثقافيّ والفنّيّ والمعماريّ، كان عالَمُ العصور الوسطى على موعدٍ مع بزوغِ نجمٍ جديد في تاريخ الفَلك ورصْد النجوم والكواكب؛ مركز بحثيّ مُهمّ ألقى بظلالِه على عِلم الفلك والرياضيّات، وأَنار سماءَ المعرفة الإنسانيّة من قلب مدينة سمرقند في آسيا الوسطى، التي كانت تُعرف أيضًا بـ«بلاد ما وراء النهر».
إنّه «مرصد أولوغ بيك» الذي يعود تاريخه إلى القَرن 9هـ/ 15م، وسرعان ما أَصبح درّةَ التّاج، ولؤلؤة عقد المعارف العلميّة في إسهاماتِ عُلماء الحضارة الإسلاميّة بعامّة، وفي تاريخ المراصد الفَلكيّة التي بَدأت بواكيرها في عهد العبّاسيّين بخاصّة. فقد استطاع عُلماء مرصد أولوغ بيك تحديد قياسات 1018 نجمًا، كانت هي الأدقّ في زمنِها، وظلَّت هكذا لقرونٍ تالية.
ولمرصد أولوغ بيك، المعروف أيضًا بـ«مرصد سمرقند»، تاريخٌ ثريّ، تأرجَح بين تألُّقٍ وأفول، وبين تأسيسٍ واكتشاف، حملَ في طيّاته صفحاتٍ من تاريخ المدينة نفسه، ليس في عَهْدِ مؤسِّسه ميرزا أولوغ بيك حاكِم المدينة فقط، بل يَروي لنا أيضًا جوانب مهمّة وثريّة من تاريخ الاستشراق الروسي والمدينة بين قياصرة الإمبراطوريّة الروسيّة ومِن بعدهم رؤساء الاتّحاد السوفيتي، نرويها في السطور التالية.
سمرقند بين دولة تيمور وقياصرة روسيا
لَنبدأ من المكان حيث مدينة سمرقند، التي تُعدّ واحدة من أهمّ مُدن آسيا الوسطى ومُلتقى طُرق التجارة الدوليّة، كمحطّة مهمّة على طريق الحرير الواصِل بين الشرق والغرب، وبين الجنوب وبلدان الشمال والشمال الغربي. وقد تعرَّضتِ المدينةُ لتدميرٍ هائل على يد المغول في زمن جنكيز خان في الرّبع الأوّل من القَرن 7هـ/ 13م، وبالفعل كانت نكبةً حَضَّريّة وعمرانيّة لم تتعافَ منها سمرقند قطّ؛ فقد تحوَّلتِ المدينةُ إلى أطلالٍ من الركام شاهدة على وحشيّة ما مرَّت به. واستمرَّ الوضعُ هكذا طيلةَ عهد الجغتائيّين، حيث نَزح أهالي سمرقند لسكنِ الضواحي، ولا سيّما الجنوبيّة، وتحوَّل قلبُ المدينة إلى منطقةٍ مهجورة تُعرف اليوم بـ«افراسياب». وما إن وصلَ الأميرُ تيمور إلى سُدّة الحُكم، حتّى استطاعَ تأسيسَ إمبراطوريّة جديدة وأرسى دعائمَ دولةٍ ذات قوّة سياسيّة وثقافيّة وفكريّة ومعماريّة أيضًا. وفي عهده تحوَّلت سمرقند إلى عاصمةٍ للدولة، ولكن ليست المدينة القديمة المنكوبة، افراسياب، بل اتَّجه نحو الجنوب قليلًا، وبَدأ في حركة بناءٍ وتعميرٍ هائلة هي التي شكَّلتِ المدينةَ التي نراها اليوم ونَسير في دروبها وحدائقها. وظلَّت افراسياب تَشغل الجزء الشمالي من المدينة وبالقُرب منها يوجد موقع مرصد أولوغ بيك.
أمّا الزمان فهو فصولٌ متنوّعة بين تاريخ تشييد المرصد في عهد أولوغ بيك في 9هـ/ 15م، وبين تاريخ اكتشافه على يدِ مُستشرِقٍ روسيّ في العقد الأوّل من القَرن العشرين، ثمّ تحويله إلى متحف لعلوم الفلَك في سبعينيّات القَرن الفائت. فصول ثريّة نتعمَّق فيها بدءًا من فكر المؤسِّس ودَوره، وجهود المُستكشِف، وصولًا إلى مرصد سمرقند اليوم الذي يُمكننا زيارته.
مرصد أولوغ بيك من التأسيس إلى الاكتشاف
أمّا مؤسِّس المرصد وراعيه الأوّل والأهمّ، فهو عالِم الفلك والرياضيّات الشهير ميرزا محمّد طراغاي بن شاهرخ المعروف بـ أولوغ بيك ﮔورﮔـان، حفيد الأمير تيمور، والمولود في مدينة سُلطانيّة في شمال غرب إيران، والذي كان والده شاهرخ آنذاك حاكمًا على تلك المنطقة التي تَقع على مقربة من مدينة مراغة ومرصدها العلمي الذي كان له أثر بالغ في تشكيل فكر أولوغ وشغفه العلمي. وقد تولّى أولوغ بيك سُدة الحُكم في سمرقند ما يقرب من أربعين عامًا (812 - 853هـ/ 1409 - 1449م). ووضعَ نصب عينَيْه طيلةَ هذه السنوات مهمّةَ تحويلها إلى عاصمة للثقافة والعلم والفكر والفنّ. وبالفعل استطاعَ جذْبَ الكثير من الفنّانين والعُلماء والبنّائين والمُزخرفين وغيرهم من أهل العلم والفنّ؛ إلّا أنّ أولوغ بيغ لم يكُن سياسيًّا مُحنَّكًا بالقدر الذي بلغه كعالِم رياضي وفلكي، وقُتل على يد ابنه في العام 853هـ/ 1449م.
والمرصد نفسه تمَّ بناؤه في عشرينيّات القرن 9هـ/ 15م، وهو مكوَّن من ثلاثة طوابق، وأسطوانيّ الشكل يَبلغ قطره حوالي 46.5 مترًا، وارتفاعه 30.4 مترًا، ومزوَّد بسُدسٍ حَجَريّ يبلغ نصف قطره 40.2 مترًا، محفور في الصخر أسفل سطح الأرض بعُمق 11 مترًا في خندقٍ يبلغ عرضه 2.5 مترًا، وهو يُعَدّ أداة القياس الرئيسة في المرصد، عبارة عن.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
