فنجان القهوة بدل الحقيبة الفاخرة.. كيف تغيّرت معادلة الرفاهية؟

دخلت صناعة الموضة الفاخرة، في السنوات الأخيرة، مرحلة اختبار حقيقي، فمع تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع الإنفاق التقديري، لم يعد المنتج الفاخر ضمانة تلقائية للنمو كما كان في السابق. وأصبح قرار شراء حقيبة أو قطعة مرتفعة السعر أكثر ثِقلاً على المستهلك، لا بسبب تراجع الرغبة، بل نتيجة تغيّر الأولويات وازدياد الحساسية تجاه المخاطر المالية.

أمام هذا الواقع، بدأت العلامات تبحث عن مصادر قيمة تتجاوز البيع المباشر. فالحفاظ على التأثير، وبناء الولاء، وإبقاء المستهلك داخل «عالم العلامة»، لم تعد ممكنة عبر المنتج وحده، خاصة حين يتراجع الاستعداد لاتخاذ قرارات شراء كبيرة. وهنا يبرز الطعام كأداة فعّالة، ليس لأنه بديل عن الموضة، بل لأنه يقدّم تجربة أقل تكلفة نسبياً، قابلة للتكرار، وقادرة على خلق إحساس بالانتماء دون اشتراط الشراء.

وتؤكد تقارير «ماكينزي آند كومباني» (McKinsey Company) هذا التحول، إذ تشير إلى تباطؤ واضح في محركات النمو التقليدية لقطاع الرفاهية، مقابل صعود ما تصفه بـ«الرفاهية التجريبية»، أي التجارب التي تمنح شعوراً بالترف والانتماء دون التزام مالي كبير.

ضمن هذا الإطار، لا يُستخدم الطعام كعنصر جمالي أو حملة عابرة، بل كوسيط إستراتيجي يسمح للعلامات بالحفاظ على حضورها الثقافي حتى حين تتأجل قرارات الشراء أو تُعاد مراجعتها. وبهذا المعنى، يتحول الطعام إلى لغة اقتصادية بديلة للرفاهية، تعيد تعريف القيمة بوصفها علاقة وتجربة مستمرة، لا مجرد سلعة تُقتنى.

أسهم أوروبا تتراجع بسبب السلع الفاخرة وسط ترقب قرار الفائدة الأميركية

الطعام بديل الشراء الفاخر

يمكن فهم هذا التحول بشكل أوضح من خلال إستراتيجيات علامات فاخرة راسخة، مثل: «لويس فويتون» (Louis Vuitton) و«أرماني» (Armani). ففي وقت أصبحت فيه قرارات الشراء المرتفعة السعر أكثر صعوبة، اتجهت هذه الدور إلى توسيع حضورها عبر الطعام، لا بوصفه نشاطاً جانبياً، بل كامتداد مباشر لهوية العلامة وتجربتها.

خلال السنوات الأخيرة، أطلقت «لويس فويتون» مقاهي ومتاجر شوكولاتة في مدن عالمية، مثل: باريس، وطوكيو، ونيويورك، مقدّمة منتجات تحمل هوية الدار بأسعار لا تُقارن بسعر حقيبة فاخرة، ففنجان قهوة أو قطعة شوكولاتة هنا لا تمثل صفقة تجارية بقدر ما تمثل نقطة دخول منخفضة العتبة إلى عالم العلامة. كما أنها تجربة يمكن عيشها ومشاركتها اجتماعياً دون مخاطرة مالية كبيرة، في وقت قد يكون فيه قرار شراء الحقيبة مؤجلًا أو غير مطروح أصلاً.

الأمر ذاته ينطبق على «أرماني»، التي أدركت هذا المنطق مبكراً عبر شبكة مقاهي ومطاعم تحمل اسمها، فهذه المساحات لا تهدف إلى تعويض مبيعات الأزياء، بل إلى ترسيخ أسلوب حياة يمكن الوصول إليه يومياً. الطعام هنا يحافظ على صورة الفخامة والانضباط الجمالي، ويحوّل العلامة من سلعة تُشترى على فترات متباعدة إلى تجربة تُعاش باستمرار.

في الحالتين، لا يُطلب من المستهلك أن «يشتري ليَنتمي»، بل يُسمح له بالانتماء أولاً عبر تجربة بسيطة ومتكررة. بهذا المعنى، لا يمثل الطعام بديلاً عن الحقيبة، بل جسراً نحوها، يحافظ على صلة العلامة بجمهورها في زمن تتباطأ فيه قرارات الشراء.

فنجانك اليومي يزداد كلفة.. القهوة تحلّق لمستويات تاريخية

التضخم يصغّر الرفاهية

لا ينفصل نجاح الطعام كأداة للموضة عن تحوّل أعمق في سلوك الإنفاق، فالتضخم، وارتفاع تكاليف الغذاء والسكن، جعلا المستهلك أكثر حذراً، لا أقل رغبة في المتعة. ما تغيّر هو شكل الرفاهية وحجمها وطريقة تبريرها.

ومع استمرار التضخم الغذائي في التفوق على المعدل العام بنهاية 2025، بات الطعام بنداً أكثر حساسية داخل ميزانية الأسرة. في هذا السياق، يصبح منطق «التجربة الصغيرة المتقنة» أكثر قبولاً من «التجربة الكبيرة المكلفة»، فالمتعة لا تختفي، لكنها أُعيدت صياغتها لتكون أخف مالياً، وأسهل نفسياً، وأكثر قابلية للتكرار.

هنا يبرز ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد الأحجام الصغيرة» (Economy of Mini)، حيث يتحول فنجان قهوة في مقهى علامة فاخرة، أو حلوى مصغّرة تحمل توقيع دار معروفة، أو طبق بسيط مصمّم بعناية، إلى وسيلة تمنح إحساساً بالترف دون شعور بالذنب الاستهلاكي. هذه الصيغة تشجّع على التكرار بدل الشراء المتباعد، وتزيد قابلية المشاركة الرقمية، ما يضاعف قيمتها الرمزية، خاصة في عالم يعتمد على الحضور المستمر لا الصفقات الكبيرة.

من الشراء المتقطع إلى التفاعل المتكرر

في بيئة اقتصادية غير مستقرة، يتراجع استعداد المستهلك لاتخاذ قرارات شراء كبيرة، حتى في الحالات التي لا تتراجع فيها رغبته بالعلامة نفسها. هذا التباين بين الرغبة والقدرة يؤدي إلى تحوّل في نمط التفاعل، حيث لا تختفي العلاقة مع العلامة، بل تنتقل من الشراء المباشر إلى أشكال تفاعل أقل تكلفة وأكثر تكراراً.

تُشترى المنتجات الفاخرة، مثل الحقائب، بطبيعتها على فترات متباعدة، ما يجعل قرار اقتنائها سهل التأجيل في أوقات عدم اليقين. في المقابل، يقدّم الطعام نموذجاً مختلفاً للدخول إلى عالم العلامة، يقوم على زيارات قصيرة وإنفاق محدود، لكن بوتيرة أعلى. فقهوة صباحية، أو تجربة موسمية، أو زيارة أسبوعية لمقهى يحمل هوية العلامة، تمثل أنشطة لا تتطلب التزاماً مالياً كبيراً، وفي الوقت نفسه تضمن استمرار حضور العلامة ضمن سلوك المستهلك اليومي.

بهذا الانتقال من قرار شراء مرتفع القيمة إلى تفاعل متكرر منخفض التكلفة، تحافظ العلامة على موقعها في دائرة الاختيار، دون الاعتماد على توقيت شراء قد يتأخر بفعل الظروف الاقتصادية.

«رولكس» السويسرية تتصدر مبيعات الساعات الفاخرة في 2025

لماذا يربح الطعام حين تتباطأ الموضة؟

هذا التحول لا يعني أن المستهلك تخلّى عن الرفاهية، بل أنه أصبح أكثر انتقائية في تبريرها. وفي اقتصاد 2026، تُكافأ العلامات التي تفهم أن القيمة لم تعد تُقاس بحجم الإنفاق، بل بقدرتها على إيجاد تجربة قابلة للتكرار، والدفاع عنها نفسياً ومالياً.

ويربح الطعام لأنه يجمع بين تجربة تمنح إحساساً بالترف، وعادة تبني علاقة مستمرة، وقابلية عالية للمشاركة الثقافية. وما تفعله العلامات الفاخرة ليس خروجاً عن جوهر الموضة، بل إعادة صياغته. فحين يصبح الشراء أصعب، يتحول الطعام إلى اللغة الأكثر مرونة وإنسانية للحفاظ على التأثير.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 11 ساعة
منذ 56 دقيقة
منذ 18 دقيقة
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ 33 دقيقة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 15 ساعة
قناة العربية - الأسواق منذ 10 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 22 ساعة
قناة CNBC عربية منذ ساعة
قناة CNBC عربية منذ 14 ساعة
فوربس الشرق الأوسط منذ 13 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 5 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 12 ساعة