بعد عقود من الهيمنة وصناعة المليارديرات، يواجه قطاع الاستثمار المباشر منعطفًا تاريخيًا. بين تآكل السيولة وتراجع العوائد، بدأت تظهر "شركات الزومبي" التي تكتفي بالبقاء دون نمو حقيقي. كيف ستؤثر هذه الأزمة العالمية في مستقبل الأسواق؟

قبل عام واحد فقط، وجهت شركة "فيستار كابيتال" رسالة مفاجئة إلى شركائها المحدودين؛ فبعد عقود من النمو المستمر، قررت الشركة التخلي عن خططها لإطلاق صندوقها الثامن للاستثمار المباشر، مفضلةً توجيه بوصلتها نحو تحسين محفظة شركاتها الحالية.

لم يكن هذا القرار وليد الصدفة، فصندوق الشركة الأخير "Vestar Capital Partners VII"، الذي أُطلق في عام 2018 برأس مال قدره 1.1 مليار دولار، لا يزال يتعثر بمعدل عائد داخلي (IRR) لم يتجاوز 7.7%، وهو رقم يبدو متواضعاً للغاية إذا ما قورن بمتوسط عائد مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" الذي حقق 14% خلال الفترة ذاتها.

من غزاة الشركات إلى عمالقة الاستثمار تأسست "فيستار" في عام 1988، وهي الحقبة التي شهدت الطفرة الأولى للاستثمار المباشر. في ذلك العام تحديدًا، تصدرت شركة "كولبرج كرافيس آند روبرتس" المشهد بصفقتها التاريخية للاستحواذ على "آر جي آر نابيسكو" مقابل 25 مليار دولار (ما يعادل 70 مليار دولار بأسعار اليوم). كانت تلك الأيام تُعرف بـ "الاستحواذ بالرافعة المالية، وكان يُطلق على صانعي الصفقات حينها لقب "غزاة الشركات".

اليوم، تغير المشهد كلياً؛ فمع وجود أكثر من 15 ألف شركة استثمار مباشر حول العالم وأصول تدار بقيمة 9 تريليونات دولار، أصبح هذا القطاع جزءًا لا يتجزأ من النظام المالي العالمي.

إرث "فيستار" والبحث عن مخرج انطلق مؤسسو "فيستار" من أروقة بنك "فيرست بوسطن، ليتخصصوا في بيع وشراء شركات استهلاكية كبرى، مثل شركة "سولو" الشهيرة بأكوابها البلاستيكية الحمراء، و"بيج هارت بت براندز" المتخصصة في أغذية الحيوانات الأليفة.

وتظل أبرز محطات النجاح صفقة الاستحواذ على "بيردز آي فودز" مقابل 175 مليون دولار، وبيعها لاحقاً في عام 2009 مقابل 1.3 مليار دولار، واحدة من أنجح صفقات الشركة التاريخية. لكن في ظل الأوضاع الراهنة، يبدو أن استعادة تلك الأمجاد تتطلب أكثر من مجرد صفقات رابحة قديمة، في وقت تواجه فيه العديد من الشركات مخاطر التحول إلى "شركات زومبي" (Zombie Firms)؛ تلك التي تكافح فقط للبقاء على قيد الحياة دون تحقيق نمو حقيقي.

الانكماش من الداخل: استراتيجية البقاء تتحصن "فيستار" اليوم داخل أسوار محفظتها الحالية، حيث تركز جهودها على 12 شركة استحوذت عليها خلال الأعوام الـ 13 الماضية. وتتنوع هذه المحفظة بين العلامة التجارية للأغذية النباتية "دكتور بريجرز" وشركة "تايتان" لمعالجة التوت المجمد، وصولاً إلى "بت هونيستي" المتخصصة في الطب البديل للحيوانات الأليفة.

المثير للقلق هو جمود الحركة الاستثمارية للشركة؛ إذ لم تبرم "فيستار" أي صفقة استحواذ جديدة منذ عام 2023، بينما لم تعلن في عام 2025 إلا عن تخارج وحيد، وهو بيع شركة "سيمبل ميلز" لصناعة المقرمشات إلى شركة "فلاورز فودز" مقابل 795 مليون دولار.

هذا الركود يضع علامات استفهام كبرى حول مستقبل الشركة في صناعة قائمة بالأساس على "الدوران المستمر": الشراء، التطوير، ثم البيع لتحقيق الربح. وبالأرقام، انكمشت الأصول التي تديرها "فيستار" من 7 مليارات دولار قبل 15 عاماً إلى نحو 3.3 مليار دولار فقط في عام 2024، وفقاً لإفصاحاتها لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، في حين فضلت الشركة عدم التعليق على هذه الأرقام.

عصر "زومبي الاستثمار المباشر" دخل قطاع الاستثمار المباشر حقبة جديدة باتت تُعرف بـ "عصر شركات الزومبي"؛ حيث لا تمثل حالة "فيستار" سوى نموذج لظاهرة أوسع تفرض هيمنتها حالياً على الأسواق في أميركا الشمالية وأوروبا. هذا القطاع، الذي طالما اعتُبر "المصنع الذهبي" للمليارديرات لسنوات طويلة، يواجه اليوم تحديات وجودية تضعه في مخاض عسير أمام المتغيرات الاقتصادية المتسارعة.

تشير تقارير شركة "بين آند كو" العام الماضي إلى وجود أكثر من 18 ألف صندوق استثمار خاص في السوق، تسعى مجتمعة لجمع 3.3 تريليون دولار. ولكن التوقعات تنبئ بأن المبالغ التي سيتم جمعها فعلياً لن تتجاوز ثلث هذا الرقم، مع توجه المستثمرين نحو صناديق الائتمان والبنية التحتية بدلاً من استراتيجيات الاستحواذ التقليدية.

وتُظهر بيانات شركة تحليلات الملكية الخاصة Preqin أن متوسط مدة جمع التمويل للصناديق التي أُغلقت في عام 2025 بلغ 23 شهرًا، مقارنة بـ16 شهرًا فقط في عام 2021، مع تراجع عدد الصناديق التي تنجح في تحقيق أهدافها التمويلية من الأساس. ففي عام 2025، جمعت 1,191 صندوق استحواذ ما مجموعه 661 مليار دولار، مقارنة بـ2,679 صندوقًا و807 مليارات دولار في عام 2021.

البقاء للأقوى.. والعمالقة يغردون خارج السرب بينما تعاني الشركات المتوسطة، لا تزال "الصناديق العملاقة" ذات السمعة المرموقة تجذب السيولة وتسبح عكس التيار. فقد نجحت "توما برافو" في جمع 24.3 مليار دولار لصندوقها الـ16 العام الماضي، بينما أغلق عمالقة مثل "بلاكستون" صندوقاً بقيمة 21.7 مليار دولار، وجمعت "فيريتاس كابيتال14.4 مليار دولار.

وفي تصريح خاص لـ فوربس، لخص الملياردير رمزي مسلم، الرئيس التنفيذي لشركة "فيريتاس"، المشهد قائلاً "عمليات الدمج الجارية تصب في مصلحة الشركات ذات الأداء العالي فقط.. الكثير من الصناديق الموجودة اليوم لن يكون لها مكان على الخارطة بعد خمس سنوات من الآن".

ماراثونات تمويلية شاقة حتى بالنسبة لشركات الاستحواذ التي حالفها الحظ في جذب رؤوس أموال جديدة، فإن وتيرة جمع التبرعات والتمويلات قد تباطأت بشكل حاد؛ إذ تجد الشركات التي تفتقر إلى الأداء المتميز أو الاستراتيجيات الفريدة نفسها خارج السباق. وفي صناعة يعتمد شريان حياتها على تدفق رؤوس الأموال الجديدة، بات هناك فائض في عدد الصناديق مقابل شحّ في السيولة المتاحة لدى صناديق التقاعد والأوقاف والمؤسسات الاستثمارية الأخرى.

ونتيجة لذلك، تحولت شريحة واسعة من الشركات متوسطة المستوى إلى "شركات زومبي"، حيث تكتفي بالتمسك بمحافظ استثمارية متقلصة لشركات لا تستطيع بيعها، بينما تواجه صعوبات بالغة في جمع الأموال للاستحواذ على أعمال جديدة.

وفي هذا السياق، تؤكد سوناينة سينها هالديا، الرئيسة العالمية للاستشارات الرأسمالية الخاصة في شركة "ريموند جيمس"، أن هناك مخاطر وجودية تهدد عدداً من هذه الصناديق بسبب بيئة جمع التبرعات الحالية، محذرة "إذا لم يتقدم المستثمرون الحاليون لدعم هذه الشركات، فمن المستبعد جداً أن يقدم المستثمرون الجدد على ذلك".

قائمة العشرين: شركات تحت الحصار أعدت فوربس قائمة تضم 20 شركة كبرى في قطاع الاستثمار المباشر دخلت "مرحلة الزومبي"، وهي شركات إما قلصت أعمالها بشكل كبير مثل "فيستار"، أو تكتفي بمجرد البقاء دون نمو يذكر.

ووفقاً لبيانات "بيتش بوك"، هناك مئات الشركات العريقة في أميركا الشمالية وأوروبا لم تنجح في إطلاق صندوق استحواذ جديد منذ عام 2020. وتعد الشركات الـ20 المدرجة في القائمة من بين الأكبر حجماً، حيث عجزت عن استقطاب المستثمرين لمدة لا تقل عن خمس سنوات، أو اضطرت لقبول تمويلات لا تمثل سوى جزء ضئيل مما كانت تجمعه في صناديقها السابقة.

هيكلية الأرباح: صراع الرسوم والعوائد لطالما استندت شركات الاستثمار المباشر إلى هيكل زمني محدد؛ حيث تُضخ رؤوس الأموال التي جُمعت خلال السنوات الخمس الأولى من إغلاق الصندوق، ليتم بعد ذلك التخارج من هذه الاستثمارات وتحقيق الأرباح في غضون السنوات السبع التالية. وبحسب هذا النموذج، يتوقع المستثمرون استعادة أموالهم مع عوائد مجزية بعد مرور عقد تقريباً من بدء الاستثمار.

وتعتمد هذه الشركات في دخلها على رسوم إدارة تبلغ عادةً 2% خلال فترة الاستثمار الأولية، قبل أن تنخفض لاحقاً، بالإضافة إلى رسوم الأداء التقليدية التي تصل إلى 20% بمجرد تجاوز "معدل العائد المرجعي" الذي يُحدد غالباً عند 8%.

رسوم الإدارة: طوق نجاة لا ينقطع يمكن لصناديق الاستثمار المباشر ذات الأداء المتفوق أن تنقل مديريها إلى مصاف فاحشي الثراء عبر "حصص الأرباح" وهو ما يفسر وجود ما لا يقل عن 33 عضواً في قائمة فوربس 400 العام الماضي ممن جمعوا ثرواتهم من هذا القطاع. ومع ذلك، نادراً ما يعاني المديرون مالياً حتى في حالات الإخفاق المتكرر؛ إذ تضمن رسوم الإدارة السنوية استمرارية العمل في الأوقات الجيدة والسيئة على حد سواء.

فحتى بالنسبة للشركات التي تتقلص أصولها مثل "فيستار"، يمكن أن تصل هذه الرسوم إلى عشرات الملايين سنوياً. وتعمل هذه الرسوم كمحفز للشركات لإطلاق صناديق جديدة كل خمس سنوات تقريباً لضمان تدفقات نقدية ثابتة، أو التمسك بأصولها مرتفعة الثمن في حال عجزت عن بيعها بربح مجزٍ.

وفي ظل المشهد الاقتصادي الحالي، أصبحت مكاسب "حصص الأرباح" نادرة بشكل متزايد، لاسيما بالنسبة للشركات التي بالغت في تقدير قيم الاستحواذ خلال فترة "الائتمان السهل" التي استمرت حتى عام 2021، لتجد نفسها اليوم في مواجهة واقع مالي مختلف تماماً.

تراجع العوائد وتمديد فترات الاحتفاظ تشهد عوائد الاستثمار المباشر تراجعاً جماعياً ملموساً؛ إذ سجل مؤشر "كامبريدج أسوشيتس للاستثمار المباشر في أميركا" عائداً سنوياً لم يتجاوز 7.4% خلال السنوات الثلاث المنتهية في يونيو/حزيران 2025. ويمثل هذا الرقم أداءً أدنى من مؤشر "MSCI" العالمي للأسهم بفارق 11 نقطة مئوية سنوية.

ويعد هذا التراجع حاداً عند مقارنته بالسجلات التاريخية للقطاع، حيث بلغت العوائد السنوية المتراكمة للاستثمار المباشر 14.7% على مدار 10 سنوات، و13.7% على مدار 20 عاماً، وهي الأرقام التي كانت تتفوق دائماً على أداء السوق العام.

وفي ظل هذه المعطيات، يجد مديرو الصناديق أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاحتفاظ بالأصول لمجرد الاستمرار في تحصيل رسوم الإدارة، أو البيع دون أمل في الحصول على "رسوم أداء" بسبب الفشل في تخطي.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من فوربس الشرق الأوسط

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من فوربس الشرق الأوسط

منذ 11 دقيقة
منذ 3 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 8 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 5 ساعات
قناة CNBC عربية منذ ساعة
فوربس الشرق الأوسط منذ 3 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 8 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 15 ساعة