حين لا يكون التفوق العسكري كافيًا أمام الجمهورية الاسلامية قراءة في معادلة الإرادة والزمن

د. سلام جاسم الطائي

رئيس مركز وطن للإعلام والدراسات الاستراتيجية

في كل مرة يُطرح فيها سيناريو المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية، يُعاد إنتاج السؤال نفسه: من يملك التفوق العسكري؟ غير أن هذا السؤال، رغم وجاهته الظاهرية، يُغفل جوهر الصراع الحقيقي. فالتجارب الحديثة تؤكد أن الحروب لم تعد تُحسم فقط بعدد حاملات الطائرات أو بتفوّق سلاح الجو، بل بقدرة الأطراف المتواجهة على الصمود، وتحمل الزمن، وإدارة الكلفة السياسية والاقتصادية للصراع.

من هذا المنطلق، تبدو الجمهورية الإسلامية أقل اهتمامًا بتحقيق نصر عسكري تقليدي، وأكثر تركيزًا على كسر الإرادة السياسية لخصمها. فالولايات المتحدة، التي بنت عقيدتها العسكرية على الحسم السريع والضربات الساحقة، اصطدمت مرارًا بحدود هذا النموذج في نزاعات طويلة الأمد، حيث يتحول التفوق العسكري إلى عبء داخلي، وتصبح الحرب نفسها موضع مساءلة شعبية وسياسية. في المقابل، تبنّت الجمهورية الإسلامية منذ عقود مقاربة تقوم على «الصبر الاستراتيجي» وحرب الاستنزاف، مع تفادي المواجهة المباشرة، والرهان على إطالة أمد الصراع إلى الحد الذي تصبح فيه كلفته غير قابلة للتحمل بالنسبة لواشنطن.

ولا يمكن فهم موقع الجمهورية الإسلامية في أي صراع محتمل بمعزل عن عمقها الاستراتيجي الإقليمي. فهي لا تتحرك كدولة محاصرة داخل حدودها فقط، بل كفاعل يمتلك امتدادات متعددة في أكثر من ساحة، ما يمنحها قدرة على تشتيت الضغوط ونقل جزء كبير من المواجهة خارج أراضيها. هذا الواقع يجعل أي محاولة لإخضاعها عسكريًا مهمة شديدة التعقيد، تتطلب زمنًا طويلًا والتزامًا مفتوحًا، وهو ما تفتقر إليه الولايات المتحدة في ظل أوضاعها الداخلية وحساسيتها المتزايدة تجاه الخسائر البشرية والاقتصادية.

وتزداد معضلة واشنطن تعقيدًا مع تشظي مسرح العمليات المحتمل. فالمواجهة مع الجمهورية الإسلامية لا يمكن حصرها في جبهة واحدة، بل تمتد من الخليج ومضيق هرمز إلى البحر الأحمر، مرورًا بساحات إقليمية غير مباشرة، وصولًا إلى الفضاء السيبراني. هذا التعدد في الجبهات يُفقد الولايات المتحدة ميزة التركيز، ويحوّل تفوقها التقني إلى تحدٍ لوجستي واستنزاف مستمر للموارد.

في الوقت ذاته، لم تعد صورة الردع الأمريكي تتمتع بالهيبة نفسها التي كانت عليها في السابق. فقد تركت التجارب المريرة في العراق وكيف كانت فصائل المقاومة تكبدها خسائر فادحة وكبيرة وأفغانستان أثرًا عميقًا في الوعي السياسي الأمريكي، وأضعفت القناعة بإمكانية خوض حروب طويلة دون أثمان باهظة. وعلى الضفة الأخرى، راكمت الجمهورية الإسلامية سردية قائمة على الصمود ومقاومة الضغوط، ما عزز تماسكها الداخلي، ومنحها هامشًا أوسع لتحمل تبعات أي تصعيد.

وتعتمد الجمهورية الإسلامية في هذا السياق على أدوات ردع غير تقليدية، لا تهدف إلى تحقيق نصر سريع، بل إلى رفع كلفة المواجهة تدريجيًا. فمن القدرات الصاروخية إلى أساليب الحرب البحرية غير المتناظرة، وصولًا إلى الفضاء السيبراني، يجري توظيف هذه الأدوات ضمن استراتيجية واضحة عنوانها: جعل الاستمرار في الصراع خيارًا مكلفًا سياسيًا واقتصاديًا للخصم.

أما داخليًا، فإن أي حرب ضد الجمهورية الإسلامية تفتقر إلى إجماع شعبي أمريكي صلب، كما أن الحلفاء الغربيين يظهرون ترددًا واضحًا في الانخراط في صراع مفتوح لا يضمن نتائج حاسمة. ومع أي تصعيد واسع، ستبرز سريعًا تداعيات اقتصادية عالمية، خصوصًا في أسواق الطاقة، ما يزيد من الضغوط على صناع القرار في واشنطن.

في المحصلة، قد تمتلك الولايات المتحدة القدرة على بدء مواجهة عسكرية مع الجمهورية الإسلامية، لكنها تفتقر إلى أدوات إنهائها وفق شروطها الخاصة. في المقابل، تراهن الجمهورية الإسلامية على عامل الزمن، وعلى قدرتها على تحويل الصراع إلى حرب استنزاف طويلة تستهدف الإرادة السياسية قبل القوة العسكرية. وبين من يبحث عن حسم سريع، ومن يجيد إدارة الصبر، يبدو أن ميزان الصراع يميل لصالح الطرف الأقدر على الانتظار


هذا المحتوى مقدم من وكالة وطن للأنباء - العراق

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من وكالة وطن للأنباء - العراق

منذ 11 ساعة
منذ 7 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 9 ساعات
وكالة عاجل وبس منذ 42 دقيقة
قناة السومرية منذ 9 ساعات
قناة السومرية منذ 8 ساعات
عراق أوبزيرڤر منذ 3 ساعات
قناة السومرية منذ 5 ساعات
عراق 24 منذ ساعة
قناة السومرية منذ 9 ساعات
عراق أوبزيرڤر منذ 12 ساعة