في لحظة دولية تتسم بتصاعد الاستقطاب وتبدّل التحالفات، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر من طوكيو عن اتفاق لتعزيز الشراكة الدفاعية والاقتصادية مع اليابان، في خطوة تأتي مباشرة بعد زيارة مثيرة للجدل إلى الصين وصفها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنها «خطيرة جداً». لندن، التي تبحث عن مخارج اقتصادية وسياسية في عالم مضطرب، تحاول رسم خط توازن دقيق بين الشرقين الآسيويين وحليفها الأميركي التقليدي.
قال كير ستارمر، عقب اجتماع ثنائي في طوكيو مع رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايشي، إن البلدين اتفقا على إعطاء أولوية لإقامة «شراكة أعمق في السنوات المقبلة»، تشمل تعزيز التعاون الدفاعي والاقتصادي، وأوضح أن هذا التعاون يهدف إلى دعم «الأمن الجماعي» عبر منطقتي أوروبا-الأطلسي والمحيطين الهندي والهادئ.
من جانبها، أعلنت تاكايشي الاتفاق على عقد اجتماع ياباني-بريطاني خلال العام الجاري على مستوى وزيري الخارجية والدفاع، مشيرة إلى نيتها بحث سبل التعاون في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إضافة إلى تطورات الشرق الأوسط والحرب في أوكرانيا، خلال عشاء عمل مع ستارمر.
وتأتي زيارة اليابان بعد محطة لافتة في الصين، هي الأولى لرئيس حكومة بريطاني منذ ثماني سنوات، أثارت نقاشاً واسعاً في الداخل البريطاني، وسط مخاوف من تقارب مفرط مع بكين قد ينعكس على الأمن القومي، إلا أن ستارمر دافع عن خياره، معتبراً أن «العالم غير مستقر»، وأن التعامل مع هذا الاضطراب يتطلب انفتاحًا مدروسًا، خاصة في ظل النزاعات التجارية وتراجع دور التحالفات التقليدية.
وفي مقابلات إعلامية من الصين، شدّد ستارمر على «الفرص الاقتصادية» التي تتيحها إعادة تنشيط العلاقات مع بكين، في وقت عبّر فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن امتعاضه من هذا المسار، واصفًا التقارب البريطاني-الصيني بأنه «خطير جدًا»، وردّ ستارمر بالتأكيد على أن لندن وواشنطن ناقشتا الزيارة مسبقًا، مذكّرًا بأن ترامب نفسه يعتزم زيارة الصين خلال الأشهر المقبلة.
وخلال لقائه الرئيس الصيني شي جين بينغ، اعتبر ستارمر أن تحسين العلاقات مع الصين «أمر حيوي» للمملكة المتحدة، فيما دعا شي إلى تعزيز الحوار والتعاون بين البلدين. وفي ردّ رسمي على انتقادات ترامب، أكدت الخارجية الصينية استعداد بكين لتعميق التعاون مع جميع الدول على أساس المنفعة المتبادلة.
وعلى صعيد رمزي، أعلن ستارمر من شنغهاي رفع الصين العقوبات التي فرضتها منذ عام 2021 على برلمانيين بريطانيين بسبب انتقاداتهم لسجل بكين في حقوق الإنسان، موضحًا أن الرئيس الصيني أكد له أن جميع البرلمانيين باتوا مخوّلين السفر إلى الصين.
اقتصاديًا، غادر ستارمر الصين بحزمة تفاهمات شملت نحو عشرة اتفاقات تعاون في مجالات الصحة والخدمات والهجرة غير النظامية، إضافة إلى خفض الرسوم على صادرات الويسكي، كما أُعلن عن عقود تصدير بريطانية بقيمة 2.2 مليار جنيه إسترليني خلال خمس سنوات، وتعهدات باستثمارات بمئات الملايين من الجنيهات.
وأبدت شركات بريطانية كبرى اهتمامًا متزايدًا بالسوق الصينية، بينها «أسترازينيكا» التي تعتزم استثمار 15 مليار دولار حتى عام 2030، و«أوكتوبوس إنرجي» التي تخطط لشراكة مع طرف صيني، كما أعلنت سلسلة «بوب مارت» نيتها إنشاء مركز إقليمي في بريطانيا لإدارة توسعها الأوروبي.
في المقابل، واجهت الزيارة انتقادات داخلية، إذ اعتبرت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك أن التقارب مع الصين يتجاهل مخاوف تتعلق بالتجسس ودعم بكين لروسيا في حربها على أوكرانيا.
وبين انتقادات واشنطن وتحفظات الداخل، يبدو أن ستارمر يسعى إلى توظيف الانفتاح على الصين وتعزيز الشراكة مع اليابان كرافعتين لدعم اقتصاد بريطاني يرزح تحت تبعات «بريكست» وتباطؤ التجارة العالمية، في محاولة لإعادة تموضع لندن على خريطة النفوذ الدولي دون القطيعة مع حلفائها التقليديين.
هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية
