تتذبذب أسعار بتكوين وغيرها من العملات الرقمية أحياناً بحدة، ما يجعلها أقرب إلى الأوراق المالية المضاربة أو الخيارات منها إلى النقود. لكن العملات المستقرة مختلفة تماماً، فهي كما يوحي اسمها.
لكن هل هي حقاً، كما يدّعي مؤيدوها، مستقبل المال ووسيلة دفع تمخضت عنها الإنترنت؟ أم أنها، كما يحذّر النقاد، تهديدٌ وجودي للاستقرار المالي؟ نعتقد أنها الأولى.
بعد إقرار قانون جينيوس في الصيف، بات لدى الولايات المتحدة لأول مرة، إطار تنظيمي واضح لإصدار العملات المستقرة. وقد أسفر ذلك عن طفرة هائلة: إذ تجاوزت قيمة العملات المستقرة المدعومة بالعملات الورقية 284 مليار دولار، بقيادة (USDT) من تيذر (Tether) و(USDC) من سيركل (Circle).
تبنّت لجنة الاقتراض الاستشارية التابعة لوزارة الخزانة الأميركية في عرضها التقديمي "النقود الرقمية" في أبريل، توقعات بنك ستاندرد تشارترد بأن القيمة السوقية الإجمالية للعملات المستقرة ستصل إلى تريليوني دولار بحلول نهاية عام 2028 وساهمت في نشر هذه التوقعات. ورفع وزير الخزانة سكوت بيسنت الرقم إلى 3 تريليونات دولار في المؤتمر الذي يتناول أحوال سوق سندات الخزانة في 12 نوفمبر.
نظم مدفوعات للعملات المستقرة أكملت "تيمبو"، وهي نظام دفع بالعملات المستقرة طورته شركة سترايب (Stripe)، جولة تمويل من الفئة (A) بقيمة 500 مليون دولار، بتقييم بلغ 5 مليارات دولار. يأتي هذا في أعقاب الإعلان عن مجموعة من سلاسل الكتل "بلوكتشين" الأخرى التي تركز على العملات المستقرة.
فقد جمعت شبكة ستيبل" (Stable) لسلاسل الكتل 28 مليون دولار ولم يُكشف عن تقييمها، بينما أُطلقت منافستها بلازما" (Plasma) لأول مرة بتقييم يتجاوز 10 مليارات دولار. بدورها، أعلنت "سيركل" عن آرك" (Arc)، وهي شبكة تركز على عملة (USDC) يمكن أن "تلتقي فيه النقود القابلة للبرمجة، والأصول المرمّزة، والعقود الاقتصادية، والأسواق المرتبطة بسلاسل الكتل".
لا يُرحب الجميع بطفرة العملات المستقرة. إذ تنظر البنوك، على وجه الخصوص، إلى مُصدري هذه العملات على أنهم مُبتدئون. وقد دفعت جهود المؤسسات المالية الراسخة الأسبوع الماضي للتأثير على مشروع قانون هيكلة سوق العملات الرقمية في الكونغرس، والذي يُعرف باسم قانون الوضوح ، منصة كوين بيس (Coinbase) وغيرها إلى سحب دعمها للمقترح، ما أدى إلى تأجيل مناقشته في مجلس الشيوخ جزئياً بسبب "تعديلات من شأنها إلغاء مكافآت العملات المستقرة".
المدهش أن البنوك في الوقت نفسه تُسرّع من تبنيها لتقنية بلوكتشين . تسكتشف بنوك جيه بي مورغان تشيس آند كو و سيتي غروب و بنك أوف أميركا حلولاً داخلية للعملات المستقرة والودائع المُرمّزة، بينما تسعى بورصة نيويورك للحصول على موافقة هيئة الأوراق المالية والبورصات على منصة أسهم وصناديق استثمار متداولة مُرمّزة.
ما هي الحجة المُعارضة للعملات المستقرة؟ زعم ديفيد فروم، الكاتب في مجلة أتلانتيك، حديثاً أن العملات المستقرة "هي أخطر أنواع العملات الرقمية على الإطلاق"، وأن فشلها سيتطلب إنقاذاً حكومياً مُكلفاً.
عصر المصارف الحرة في ورقة بحثية نُشرت عام 2021، جادل الاقتصاديان غاري غورتون وجيفري تشانغ بأن "أقرب تشبيه للعملات المستقرة موجود في عصر المصارف الحرة في الولايات المتحدة"، أي قبل عام 1863، عندما كان بإمكان أي شخص فتح بنك. في ذلك الوقت، تسبب عدم اليقين بشأن أصول المصارف الحرة في تداول أوراقها النقدية بخصومات متفاوتة، ما خلق عقبات أمام التجارة وأدى أحياناً إلى عمليات سحب جماعية.
حاجج الحائز على جائزة نوبل جان تيرول حديثاً بأنه حتى عندما يكون دعم العملة المستقرة حقيقياً، "فإن أدنى شكوك حول اكتماله يمكن أن تُشعل عمليات سحب جماعية مُزعزعة للاستقرار".
لكن هذه المخاوف تتعارض مع الواقع بموجب قانون جينيوس" (وهو مكون من الأحرف الأولى لكلمات عبارة باللغة الإنكليزية تعني توجيه وتأسيس الابتكار الوطني للعملات المستقرة الأميركية).
أولاً، يُقيد القانون بشدة دعم العملات المستقرة بالنقد والودائع وسندات الخزانة الخالية من المخاطر ذات آجال استحقاق 93 يوماً أو أقل. على عكس بنوك القرن التاسع عشر، لا يُمكن لجهات إصدار العملات المستقرة منح القروض أو الاحتفاظ بها.
ثانياً، تُظهر العملات المستقرة تأثيرات شبكية استثنائية. إذ تستحوذ شركتا تيذر و سيركل على أكثر من 92% من العملات المستقرة المدعومة بالعملات الورقية، بينما تستحوذ أكبر عشر جهات مُصدرة على 98%. يُعدّ هذا مستوى تركيز غير مسبوق في القطاع المصرفي الأميركي، لكنه يُسهّل الرقابة التنظيمية واستخدام هاتين العملتين المستقرتين في المدفوعات والتجارة.
هل تكون العملات المستقرة منافساً للقطاع المصرفي؟ يخشى بعض النقاد، بدافع المصلحة الذاتية، من أن تُصبح العملات المستقرة منافساً قوياً للقطاع المصرفي. رغم أن قانون "جينيوس" يمنع مُصدري العملات المستقرة من دفع فوائد، إلا أنه يسمح لأطراف ثالثة، مثل منصات تداول العملات الرقمية، بدفع مكافآت مقابل الاحتفاظ بالعملات المستقرة على منصاتها.
لقد سارعت البنوك إلى وصف هذه المكافآت بصخب على أنها "ثغرة" تُقدّر بتريليونات الدولارات، تُشجع المودعين على تحويل أموالهم من البنوك إلى منصات تداول العملات الرقمية، مما يرفع تكاليف تمويل البنوك ويُقلل الائتمان المُقدّم للاقتصاد الحقيقي.
في أعقاب تقرير حديث صادر عن هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، افترضت لجنة الاقتراض الاستشارية التابعة لوزارة الخزانة أن 37% من إجمالي ودائع البنوك، أي ما يعادل 6.6 تريليون دولار تقريباً، معرضة لخطر التحول إلى العملات المستقرة ذات الفائدة.
توقع معهد سياسات البنوك، وهو مؤسسة غير حزبية ولكنها مؤيدة للبنوك، أنه في حال دفعت العملات المستقرة الفائدة 3%، سيرتفع الطلب عليها إلى 4 تريليونات دولار؛ بينما سيرتفع إلى 5.7 تريليون دولار في حال دفعت فائدة قدرها 3.5%. ويعتقد المعهد أن هذا النمو غير المقيد للعملات المستقرة سيؤدي إلى مزاحمة الائتمان الموجه للاقتصاد الحقيقي، وأن "مودعي البنوك سيتحولون من مموّلين للنمو الاقتصادي إلى مموّلين لنمو الحكومة .
نظرة على التاريخ في المقابل، حاججت جمعية المصرفيين الأميركيين بأن زيادة إصدار العملات المستقرة بمقدار تريليوني دولار ستستنزف 10% من قاعدة ودائع البنوك، ما سيضطرها إلى اللجوء إلى الودائع الوسيطة، وقروض بنك الإسكان الفيدرالي، وعمليات إعادة الشراء، والإقراض بين البنوك لليلة واحدة، أو الديون طويلة الأجل.
قدّرت الجمعية أن متوسط تكلفة التمويل للبنوك سيرتفع من 2.03% إلى 2.27%، ما سيقلل من الائتمان الممنوح للأسر والشركات. وحذّرت الجمعية قائلة: "مع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي وإضعاف البنوك الصغيرة التي تُشكّل ركيزة أساسية للمجتمعات المحلية".
قد يبدو التاريخ مؤيداً لهذه المخاوف. فقبل عام 1935، كان بإمكان البنوك الأميركية إصدار أوراق نقدية مقابل سندات حكومية. وكانت هذه الأوراق تُتداول كعملة للتعاملات بين الناس. ويجدر ذكر أن الأوراق النقدية الصادرة عن البنوك الخاصة، باستثناءات قليلة وجيزة، لم تكن تحمل فوائد (مع أن حكومتي الاتحاد والكونفدرالية جربتا إصدار أوراق نقدية بفائدة خلال الحرب الأهلية).
لقد حاجج باحثون من بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك في دراستهم الأخيرة بعنوان "منظور تاريخي حول العملات المستقرة" بأن "الودائع المصرفية كانت تتمتع بميزة على الأوراق المصرفية الوطنية، إذ كانت قادرة على كسب فوائد .
أدى ذلك إلى أن تحل الودائع مكان الأوراق النقدية، التي انخفضت حصتها من أصول البنوك من 20% عام 1869 إلى 4% بعد عقدين. وخلصت ورقة بحثية صادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إلى أنه في حال سمحت الجهات التنظيمية بإصدار العملات المستقرة ذات الفائدة، فإنه من الممكن أن تحل هذه العملات محل الودائع الحالية عديمة الفائدة.
مع ذلك، فإن هيمنة حسابات الودائع تحجب حقيقة مهمة، وهي أن الأوراق النقدية المتداولة قد ازدادت بمرور الوقت أيضاً، وإن كان بوتيرة أبطأ.
خلال حقبة البنوك الوطنية -أي بعد صدور قانون البنوك الوطنية لعام 1863 الذي أنشأ بنوكاً مرخصةً.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من اقتصاد الشرق مع Bloomberg
