محمد المازم فنان سبق زمنه ثم عاد إلى زمنٍ لم يعد موجودًا. حكاية صعود صنع موجة، وذروة غيّرت هوية الأغنية الخليجية، وعودة اصطدمت بتغيّر المشهد.. ليس سؤال الغياب هو المهم بل لماذا توقّف عند أجمل نسخة منه؟. اقرأ الحكاية كاملة الآن على موقعنا

لم يختفِ محمد المازم فجأة، ولم يبتلعه الغياب كما يبتلع الأسماء الهامشية. محمد المازم انسحب بهدوء، ثم عاد بهدوء أكبر، حتى بدت عودته أقرب إلى أثرٍ باهتٍ لذكرى، لا إلى استئناف مسيرة. السؤال الحقيقي ليس لماذا اعتزل، بل: لماذا لم يستطع أن يعود، رغم أنه عاد فعلًا؟

لفهم ذلك، لا يكفي أن نعدّ الألبومات ولا أن نستعيد تواريخ المهرجانات، بل أن ننظر إلى مسيرته بوصفها تحوّلات في الهوية: هوية محمد المازم وهوية الأغنية الخليجية.

بداية تشبه زمنها دخل محمد المازم الغناء من الباب الكلاسيكي للأغنية الخليجية بعد أن خاض في مطلع الثمانينيات تجربة عابرة مع فرقة موسيقية مدرسية أوضحت شغفه المبكر بالموسيقى، حيث كان المغني الرئيسي في الفرقة وعازف الدرامز. وفي عام 1986 ترك محمد المازم الفرقة لينتقل تدريجيًا إلى الاحتراف. وبعد 3 سنوات من الإعداد بدأت مسيرته الموسيقية الفعلية عام 1989 بألبوم "يا حبيب الغير".

كانت بدايات محمد المازم تشبه كثيرين من أبناء جيله، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها منسجمة تمامًا مع السائد. وفي التسعينيات كانت الأغنية الخليجية تمر بمرحلة مفصلية، لتشهد تحولات بهويتها تحت ظل تأثير الأغنية المصرية؛ وخصوصًا في النصف الأول من التسعينيات، حيث بدأ دور الموزّع الموسيقي يفرض نفسه بوصفه عنصرًا صانعًا، لا مجرد منفّذ.

في هذه المرحلة، كان محمد المازم يتقلب بهوادة، يسير مع الموجة، لا أمامها. تعاون مع أسماء مهمة في التوزيع الموسيقي، من بينهم أمير عبد الحميد وطارق عاكف، وكان حضوره ناعمًا، من دون ملامح صدام أو رغبة في كسر القالب. صوته جميل واختياراته محسوبة، لكنها تقليدية، لا تخرج عن إطار الدارج في السوق، الذي كان يشهد حركة تغيير ناعمة بدوره.

حين ظهرت شخصية محمد المازم الخاصة نهاية التسعينيات كانت نقطة التحوّل الحقيقية، لا لأن صوت محمد المازم تغيّر، بل لأن صورته تغيّرت. هنا تحديدًا، وُلد ما يمكن أن نسميه بـ" الأغنية الشبابية الخليجية"، لا بوصفها نمطًا موسيقيًا فحسب، بل بوصفها مزاجًا جديدًا، وكان محمد المازم البوصلة التي تقود هذه الموجة.

خلع المازم العباءة الخليجية التقليدية، وارتدى الجينز، خرج من الجلسات إلى كليبات مصوّرة في تركيا والهند، وابتعد عن الإيقاعات الخليجية التقليدية ليجرّب إيقاعات أكثر خفة وحركة. الأهم من ذلك، أنه اختار لهجة خليجية بيضاء، سرعان ما أخرجته من إطار انتشاره المحلي، ومنحته قدرة أكبر على العبور، في كل أنحاء الخليج، وإلى باقي بلاد العالم العربي.

ولا يمكن الحديث عن التغيير الكبير الذي طرأ على مسار محمد المازم الفني بتلك المرحلة دون أن نربطه بالتعاونات الجديدة التي غيرت قواعد اللعبة، وأبرزها دون شك حميد الشاعري، الذي كان من رواد الأغنية الشبابية في مصر في الثمانينيات، وخاض مع محمد المازم تجربة لا تقل جرأة.

حميد الشاعري لم يدخل الأغنية الخليجية مع محمد المازم من موقع التجريب العابر، بل من موقع الموسيقي الذي راكم خبرة طويلة في تفكيك القوالب. صحيح أن حميد سبق له أن وزّع أغانٍ خليجية قبل نهاية التسعينيات، لكن تلك التجارب ظلت، في معظمها، امتدادًا مباشرًا لأسلوبه المصري: مقسوم مُعاد التلوين، وإيقاعات مألوفة أُسقطت على لهجة مختلفة، من دون أن تُنتج هوية جديدة فعلًا.

مع محمد المازم، تغيّر الأمر. ليس لأن حميد تغيّر وحده، بل لأن المازم كان الفنان الذي بحث عن التوزيع الموسيقي المختلف ولم يرغب باستيراد تجربة حميد الشاعري المصرية بقالبها المألوف. بدا كأن الطرفين التقيا في لحظة نضج متزامنة: حميد الشاعري وقد خرج من أسر المقسوم الثمانيناتي، ومحمد المازم وقد قرر أن يخلع جلده القديم بالكامل؛ لتكون أولى ثمار التعاون بينهما الأغنية التي شكلت نقلة نوعية في مسار محمد المازم والأغنية الخليجية، "الطلة"؛ فهي أغنية لم تكن استنساخًا لنجاح سابق، بل بناءً على فهم جديد للإيقاع الخليجي بوصفه مادة مرنة، قابلة للتحديث من دون أن تفقد روحها.

ومع "الطلة"، ظهرت الأغنية الخليجية الشبابية بصيغتها الأوضح: إيقاع أخف يتناغم مع الجمل الحنية القصيرة والجذابة، بالإضافة إلى صورة بصرية حديثة، ولهجة بيضاء قادرة على السفر. لذلك فإن أغنية "الطلة" لم تكن مجرد نجاح، بل إعلان ولادة هوية.

الأنا التي صارت عنوانًا رغم أن اثنان من ألبومات محمد المازم الأولى حملت اسمه: "محمد المازم 1990" و"محمد المازم 1993"، إلا أن الأسماء هنا لم يكن لها دلالة حقيقية، فبدت مجرد ألبومات لم يختر منها محمد المازم أغنية ليحمل الألبوم اسمها، وكأنه لا يرغب بالتمييز بين الأغاني؛ بخلاف باقي ألبوماته في السنوات العشرة الأولى من مسيرته. لكن الحال اختلف مع انتهاء التسعينيات، أصبح اسم محمد المازم جزء من مشروعه وهويته الفنية، صعدت الأنا وأصبح محمد المازم واعيًا بذاته الفنية أكثر؛ ليكون اسمه جزءًا من عناوين تلك الألبومات: "طلة المازم" و"عيون المازم" و" شمعة المازم".

هكذا صارت الأنا واضحة، لا بوصفها غرورًا، بل بوصفها هوية مستقلة داخل مشهد خليجي مزدحم. بين عامي 2000 و2003، عاش محمد المازم فترته الذهبية: ألبوم سنويًا لأربع أعوام متتالية، نتج عنها مجموعة من أبرز الهيتات الإيقاعية الراقصة مثل "الطلة" و"أحبك"، وأغانٍ درامية مثل "حرام" و"ليلة في سنة"، وتعاونات تخطت الحدود مثل "روميو وجولييت" مع شيرين وجدي.

x التباطؤ ثم الانسحاب بعد 2003، بدأ إيقاع محمد المازم يهدأ، ليغيب أربعة سنوات قبل أن يُصدر ألبومه الأخير عام 2007، ثم اتخذ قراره باعتزال الأغاني العاطفية، ليكتفي بالسنوات الثلاث التالية بتقديم أناشيد دينية وأغاني وطنية، قبل أن يختفي عن المشهد تمامًا.

وحين عاد عام 2018 بأغنية "ظروف الوقت"، لم يكن المشهد الموسيقي كما تركه، ولم يكن محمد المازم كما كان. المشكلة لم تكن في جودة الأغنية، بل في غياب السياق. عاد محمد المازم من دون مشروع جديد، ومن دون هوية تناسب زمن العودة.

ومن بعدها توقف بصمت وعاد دون ضجيج، جاءت أغانٍ قليلة ومتفرقة، بلا أثر يُذكر. كأن عودته رمزية، أكثر منها عودة فنية حقيقية. الجمهور تغيّر، السوق تغيّر، والنوستالجيا وحدها لا تصنع مسارًا.

x

أين هو الآن؟ محمد المازم لم يختفِ. هو موجود في ذاكرة الأغنية الخليجية بوصفه أحد أهم مجدّديها في لحظة مفصلية. لكن عودته لم تنجح، لأنه عاد إلى زمن لم يعد موجودًا، ومن دون أن يخلق زمنًا جديدًا خاصًا به.

وبالنسبة للجمهور المتعلق بأغاني الألفينيات: محمد المازم لم يغِب ولم يعُد لكنه توقّف عند أجمل نسخة منه.


هذا المحتوى مقدم من بيلبورد عربية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بيلبورد عربية

منذ 3 ساعات
العلم منذ 20 ساعة
موقع سائح منذ 6 ساعات
موقع سائح منذ ساعتين
موقع سائح منذ 7 ساعات
موقع سائح منذ 3 ساعات
سي ان ان بالعربية - سياحة منذ 5 ساعات
موقع سائح منذ 7 ساعات
العلم منذ ساعتين