مصدر الصورة: BBC
روبوتات الدردشة، المدعومة بالذكاء الاصطناعي، لا تُقاطع المتحدث ولا تصدر أحكاماً عليه، فما الذي تكشفه لنا هذه التقنية عن مفهوم الإنصات باهتمام؟
تقول آنا، وهي مواطنة أوكرانية تقيم في لندن: "أُدرك تماماً أنه آلة، لكنه عملي للغاية ويجيد الإنصات لي كلما احتجت أنا اتحدث"، وهي تشير بذلك إلى استخدامها المنتظم للنسخة المميزة من روبوت الدردشة "تشات جي بي تي" المدعوم بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتضيف آنا، التي امتنعت عن ذكر اسمها الحقيقي لبي بي سي حفاظاً على خصوصيتها، أن ما تعتبره قيمة حقيقية ليس بالضرورة النصائح التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، بل قدرته على توفير مساحة للتأمل ومراجعة النفس.
وتفسر قائلة: "لديّ سجل طويل من التفاعل معه، لذا اعتمد عليه دوما في فهم مشكلاتي والتواصل معي بالأسلوب الذي يناسبني"، كما تعترف بأن هذا الأمر قد يبدو غريباً بالنسبة لكثيرين، بمن فيهم أفراد أسرتها والأصدقاء، وهو ما دفعها إلى طلب عدم الكشف عن هويتها.
وتقول إنه عندما أنهت مؤخراً علاقتها مع صديقها، اكتشفت أن الإنصات باهتمام، الذي يتيحه الذكاء الاصطناعي، أتاح لها ما لم يتمكن أصدقاؤها وعائلتها، بدافع حمايتهم لها، من تقديمه، إذ سارعوا إلى إطلاق أحكام فورية على شريكها السابق قائلين: "إنه شخص أحمق".
وبدلاً من إصدار أحكام، أتاح لها الذكاء الاصطناعي مساحة لفهم الذات، وذلك خلال سعيها إلى تحليل مشاعرها المتداخلة والمتناقضة.
ولا تقتصر هذه التجربة على آنا وحدها، إذ تشير دراسات حديثة صادرة من مؤسسة "هارفارد بيزنس ريفيو" البحثية إلى أن العلاج النفسي والاستماع للأخرين شكّلا، في عام 2025، الاستخدام الأكثر شيوعاً للذكاء الاصطناعي، من خلال منظومة أدوات مثل "تشات جي بي تي"، القادرة على إدارة حوار قريب من التفاعل البشري.
بيد أن الشيء الأكثر جذباً للانتباه كان ما أظهرته الدراسات من أن الاستجابات النصية التي يُنتجها الذكاء الاصطناعي باتت تُصنَّف على أنها أكثر تعاطفاً من تلك التي يكتبها البشر، حتى عندما يكون هؤلاء البشر مستجيبين متخصصين في مجالات الدعم وإدارة الأزمات، ولا يعكس ذلك تفوقاً حقيقياً بالنسبة لمساحة التعاطف التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، بقدر ما يمثل إدانة واضحة لندرة الإنصات دون إصدار أحكام في العلاقات الإنسانية.
وعندما أفصح الباحثون عن هوية أصحاب الردود، ظل المستخدمون يعتبرون الاستجابة التي يتيحها "تشات جي بي تي" أكثر فهماً واهتماماً للمشاعر، الأمر الذي يكشف عن تعطش شديد لدى الأفراد لثقافة الإنصات المتواصل الذي يخلو من الدفاع.
وقال مشاركون، في دراسة أخرى، إن تفاعلهم مع ردود صاغها الذكاء الاصطناعي منحتهم شعوراً أكبر بالأمل، وقلّل من مشاعر الضيق والانزعاج مقارنة بتفاعلهم مع ردود بشرية.
وعلى الرغم من ذلك، ينبغي التذكير بأن روبوتات الدردشة لا تمارس تعاطفاً حقيقياً، وإنما تحاكيه اعتماداً على ما تستخدمه من بيانات ضخمة ناتجة عن تفاعلات بشرية سابقة.
وتكشف المفارقة عن وجود جوانب جوهرية من القصور البشري في مهارة الإنصات، وقد يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي على أنه مستمع أفضل مقارنة بإنسان حقيقي، فحين تهيمن أجنداتنا الشخصية، وخلفياتنا الذاتية، ومحفزاتنا العاطفية على التفاعل، يتعذر تحقق الإنصات الشديد بمعناه الحقيقي.
ولا يهدف هذا الطرح إلى دعوة الناس إلى استبدال العلاقات الإنسانية الواقعية بنماذج لغوية ضخمة، لكنه يلفت إلى وجود دروس مهمة يمكن للبشر أن يتعلموها من هؤلاء "المستمعين" القائمين على استخدام الشفرات البرمجية.
أهمية الإنصات دون مقاطعة لعل الدرس الأهم الذي يقدمه الذكاء الاصطناعي يتمثل في إتاحة مساحة للآخرين للتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم دون مقاطعة، فالبشر يميلون إلى المقاطعة لأسباب عديدة، منها الخشية من الصمت المحرج، أو رغبة منهم في "المساعدة" لصياغة الأفكار، أو اختصاراً للوقت من خلال تقديم ردود يرونها أكثر كفاءة، أو حتى تأكيد التفوق بدون إدراك، بيد أن مقاطعة الحديث هذه، مهما حسنت نواياها، تحد من استقلالية المتحدث وتمنع تطور أفكاره بصورة طبيعية.
وأظهرت دراسات أن مقاطعة الحديث خلال المحادثات الهاتفية، على سبيل المثال، تؤدي إلى تراجع إدراك المتحدث لتعاطف الطرف الآخر.
في المقابل، لا تمتلك النماذج اللغوية الضخمة دوافع أو رغبات شخصية، فهي مجهزة بطريقة توافقية تهدف إلى الحفاظ على تفاعل المستخدمين معها، ومن ثم، فهي تُظهر صبراً دائماً ولا تعاني من إرهاق التعاطف مقارنة بالبشر، وعلى الرغم من أن هذا المستوى من الصبر ليس من المستوى الذي يمكن للبشر بلوغه أو السعي إليه، فإن عدم مقاطعة الحديث يظل أداة قوية لتعزيز جودة الإنصات.
رصد المشاعر كان عالم النفس، كارل روجرز، مدركاً بأن الاعتراف بالمشاعر يُعد ركيزة أساسية للإنصات الفعّال، وتقول أنات بيري، الباحثة المتخصصة في التعاطف في الجامعة العبرية في القدس في إسرائيل، إن النماذج اللغوية الضخمة مجهزة لتحديد المشاعر وتصنيفها، ثم طرحها بطريقة عكسية في استجابات تبدو وكأنها متعاطفة.
وأظهرت نتائج إحدى التجارب أن روبوت الدردشة "بينغ تشات"، وهو الإصدار السابق لأداة "كوبايلوت" التابعة لمايكروسوفت، تفوق على المستجيبين من البشر في دقة التعرف على مشاعر السعادة والحزن والخوف والاشمئزاز، بينما كان أداؤه مماثلاً لأداء البشر في رصد مشاعر الغضب والمفاجأة.
وعلى الرغم من أن النماذج اللغوية الضخمة لا تختبر هذه المشاعر بصورة حقيقية، فإنها قادرة على تمييزها وإعادة طرحها بطريقة عكسية في استجاباتها، بما يعزز إحساس المتحدث بأنه محل إنصات.
كما أظهرت الدراسات أن منصات الذكاء الاصطناعي التي تُظهر فهماً لتعقيد المشاعر في ردودها يمكن أن تسهم في إعادة صياغة أنماط تفكير المستخدمين وتعزيز قدرتهم على الصمود النفسي.
احتواء المشاعر الصعبة يتجنب البشر، بدافع فطري، الاعتراف بالمشاعر الصعبة، سواء تلك التي يختبرونها بأنفسهم أو التي يعبّر عنها الآخرون.
فعندما يخبرنا أحد الأقارب، على سبيل المثال، بوفاة قطته في حادث مأساوي، نبادر غالباً إلى التخفيف عنه بعبارات مثل: "لقد عاشت لونا (القطة) حياة طويلة وسعيدة وكانت محاطة بالمحبة حتى.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي
