«ممشى أهل مصر».. مشروع خرج عن المسار.. وخبراء: لم يعد ملائمًا للطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل

أثار تحديد سعر دخول «ممشى أهل مصر» عند ٧٥ جنيهًا للفرد فى منطقة جزيرة الزمالك موجة واسعة من الجدل، خاصة مع اعتباره من قبل قطاع من المواطنين عبئًا ماليًا لا يتناسب مع طبيعة المكان كمساحة عامة مفتوحة تطل على نهر النيل، وانتقد متابعون فرض رسوم لمجرد الدخول والتنزه، معتبرين أن ذلك يمس حق المواطنين فى الاستمتاع بالنيل دون أعباء إضافية، لاسيما فى ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية.

قامت «المصرى اليوم» بجولة ميدانية على مدار ثلاثة أيام، ورصدت تراجعًا ملحوظًا فى أعداد الزائرين، حيث بدا الممشى شبه خالٍ فى أغلب الأوقات، واقتصر الحضور على أعداد محدودة، فى مشهد عكس تأثير التسعير على الإقبال الجماهيرى.

محمود الخواص

اعتاد أحمد جاد، الموظف بوزارة التربية والتعليم، أن يحوّل ضفاف النيل إلى متنفس أسبوعى لأسرته، يصطحب أبناءه الأربعة هربًا من قيظ الصيف، وبحثًا عن بعض الهدوء ونسمة هواء تخفف حرارة الأيام الطويلة، لم تكن الرحلة تتطلب أكثر من «حصيرة» بسيطة للجلوس، وقليل من الخبز والجبن والفاكهة، فى نزهة عائلية اعتاد الجميع انتظارها مع نهاية كل أسبوع.

لسنوات طويلة، ظل النيل مفتوحًا أمام جاد وأسرته دون أعباء مادية، لكن المشهد تغيّر مع تنفيذ مشروع «ممشى أهل مصر» وبدء تطبيق رسوم دخول عليه فى عام ٢٠٢٢، حيث حُددت قيمة التذكرة بـ٣٠ جنيهًا يومى الخميس والجمعة، و٢٠ جنيهًا فى باقى أيام الأسبوع، وهى تكلفة بات من الصعب عليه تحمّلها، خاصة أن رؤية النيل كانت دومًا حقًا مجانيًا لا يتطلب مقابلاً.

وقال جاد: «كنا بنشم الهوا ببلاش واتحرمنا من قعدة النيل بسبب فرض رسوم الدخول، وانتشار البازارات السياحية والمقاهى، جعلاً الممشى أقل ملاءمة للأسر من الطبقة المتوسطة»، مضيفا أن هذه التغيرات كانت سببًا مباشرًا فى انقطاع عادة عائلية استمرت لسنوات، بعدما تحولت نزهة بسيطة إلى عبء مادى، واختفت متعة الجلوس على النيل دون حسابات.

محمود الخواص ملاهى «ممشى مصر» تقلق ليالى الزمالك

رغم ما عُرف به حى الزمالك من هدوء واستقرار على مدار عقود طويلة، فإن حالة من القلق باتت تسيطر على عدد من السكان بسبب الضوضاء المتواصلة الصادرة عن بعض المنافذ المستأجرة بالممشى المقابل للحى، خاصة الملاهى الليلية التى تمتد أصواتها حتى ساعات الصباح الأولى، هذا الوضع دفع عددًا من الأهالى إلى تقديم شكاوى رسمية إلى الجهات المسؤولة، اعتراضًا على الإزعاج المستمر الذى لا ينقطع على مدار اليوم.

ويصف أحمد مراد، أحد سكان شارع المنتزه بالزمالك، ما يعيشه الأهالى بأنه «كابوس يومى»، مؤكدًا أن الضوضاء الصادرة عن الأنشطة الترفيهية بالممشى عطّلت نمط حياتهم الطبيعى، وحالت دون حصولهم على الحد الأدنى من الراحة، وطالب «مراد» بتطبيق القوانين المنظمة، مشيرًا إلى أن التشريعات الحالية تتيح إغلاق المحال إداريًا فى حال تسبب النشاط التجارى فى إزعاج جسيم يضر براحة السكان المجاورين.

على جانب آخر، لم يقتصر الجدل على سكان المناطق المحيطة بالممشى، بل امتد ليشمل مواطنين اعتادوا قضاء أوقات بسيطة على كورنيش النيل.

محمود الخواص رجاء عبد الرازق، ربة منزل، كانت ساعة واحدة عند الغروب على ضفاف النهر المتنفس الوحيد لها، لا تتكلف أكثر من أجرة مواصلات من منزلها فى منطقة شبرا الخيمة إلى كورنيش روض الفرج.

لكن المشهد تغيّر بعد تنفيذ مشروع «ممشى أهل مصر» وفرض رسوم دخول على الزوار، وهو ما ترى فيه رجاء عبئًا إضافيًا على المواطن محدود الدخل، وتؤكد «رجاء» أنها لا تعارض التطوير أو دعم المشروعات القومية، لكنها تشدد على ضرورة مراعاة الظروف المعيشية لشريحة واسعة من المواطنين، حتى لا يتحول حق بسيط فى الاستمتاع بهواء النيل إلى رفاهية بعيدة المنال.

فى مارس ٢٠٢٢، تم افتتاح المرحلة الأولى لـ«ممشى أهل مصر» على كورنيش النيل، بالمنطقة بين كوبرى إمبابة حتى كوبرى ١٥ مايو بالقاهرة، على مساحة ٧٠٦٦ مترًا مربعًا، وتحتوى على ٩٠ محلًا ومطعمًا وكافتيريا، ومسرح مفتوح بمساحة ٤٣٤ مترًا مربعًا، به ٣ مدرجات، ويتسع لـ١٢٤٠ زائرًا، كما يضم ٣٠٠ كشك لأنشطة خدمية وتجارية أجنبية وعربية.

«ممشى مصر»

محمود الخواص فى قرية تفتقر لأبسط الخدمات

المشروع سيقام فى مناطق أخرى، على النيل رغم الانتقادات الموجهة إليه. منها منطقة أبوالنمرس ومنيل شيحة، رغم أن المنطقة غير ملائمة لمثل هذه المشروعات الربحية.

على مسافة لا تتجاوز أحد عشر كيلومترًا من قلب القاهرة، وبعيدًا عن صخبها وأضوائها، ينحرف الطريق فجأة إلى مسار زراعى ضيق، تتقدمه لافتة حديدية قديمة تعلن الوصول إلى قرية «منيل شيحة» التابعة لمركز أبو النمرس بمحافظة الجيزة، هنا يتغير المشهد تمامًا، وتبدأ حكاية أخرى لا تشبه ما يحدث على الضفة المقابلة من النيل.

جولة قصيرة داخل القرية كفيلة بأن تكشف حجم المعاناة اليومية لأهلها. شوارع غير ممهدة، مياه شرب لا تصلح للاستخدام، وشبكة صرف صحى غائبة منذ سنوات طويلة، رغم أن بيوت القرية لا تفصلها عن نهر النيل سوى أمتار قليلة، فى مواجهة مباشرة لحى المعادى الراقى.

أمام ورشة صغيرة بالكاد تتسع لشخصين، يجلس صلاح محمد، يراقب المارة بعين اعتادت انتظار الزبائن أكثر مما اعتادت قدومهم، يمسك بيده مفكًا، ويقاطع الصمت حديث متكرر مع صديقه أحمد عن الأنباء المتداولة حول إنشاء «ممشى أهل مصر» فى المنطقة، يبتسم صلاح بسخرية خفيفة، ويتساءل بصوت منخفض: الناس هنا بالكاد بتدبر يومها، والنيل شايفينه ببلاش، مين يقدر يدفع تمن تذكرة؟ وإيه اللى هيعود علينا أصلًا؟.

صلاح، كغيره من أبناء القرية، يعرف جيدًا طبيعة الحياة، هنا أغلب الرجال يعملون فى الحرف اليدوية أو كعمالة يومية، بينما تعتمد كثير من السيدات على العمل فى تنظيف المنازل داخل حى المعادى، ورغم ذلك، لا تزال القرية محرومة من أبسط المرافق، منذ أكثر من عشرين عامًا، يعيش الأهالى دون صرف صحى منتظم أو مياه شرب نظيفة، بينما تتقدم إليهم مشروعات لا يشعرون بأنها تخصهم.

محمود الخواص على ضفة أخرى من الحكاية، تسير كريمة صادق، الأربعينية، بخطوات حفظتها جيدًا خلال خمسة عشر عامًا من التنقل اليومى، تعبر النيل عبر المعدية متجهة إلى المعادى، حيث تعمل فى تنظيف المنازل، لتساعد زوجها على توفير ثمن زجاجات المياه النظيفة، ودفع تكلفة كسح الصرف الصحى التى تلتهم جزءًا كبيرًا من دخل الأسرة، لا تحلم كريمة بالكثير، كل ما تريده حسب وصفها، حياة «نظيفة» لأبنائها، ويوم تعود فيه إلى بيتها دون أن تضطر لخدمة بيوت الآخرين.

وبالقرب من المعدية، تقف ثناء صالح، تحمل أمتعتها الثقيلة على كتفها، تنتظر القارب الذى سيعبر بها إلى الضفة الأخرى. ملامح الإرهاق واضحة على وجهها، لكنها اعتادت الانتظار، كما اعتادت الرحلة، وكما اعتادت حياة معلقة بين ضفتين: واحدة ترى فيها التطوير يلمع، وأخرى لا تزال تبحث عن أساسيات الحياة.

فى «منيل شيحة»، لا يطلب الأهالى الكثير. فقط يريدون أن تصلهم الخدمات قبل أن تصل إليهم المشروعات، وأن يشعروا أن النيل القريب منهم ليس مجرد منظر جميل، بل جزء من حياة كريمة لم تكتمل بعد.

«هبوط أرضى وإهدار مال عام».. نواب يكشفون مخالفات «فنية ومالية»

محمود الخواص

هناك من يرى أن المشروع نقلة حضارية فى استغلال الواجهة النيلية وتحويلها إلى متنفس سياحى وترفيهى، ومن يعتبره مشروعًا انحرف عن هدفه الاجتماعى وتحول تدريجيًا إلى مساحة تخدم فئات بعينها، خاصة بعد رفع قيمة تذكرة الدخول فى بعض مناطقه، مثل ممشى الزمالك، لتصل إلى ٧٥ جنيهًا.

وقال الدكتور خالد الشافعى، الخبير الاقتصادى، إن مشروع ممشى أهل مصر حمل منذ تنفيذه عددًا من الأخطاء الجوهرية، أخرجته عن مساره الأساسى، وهو خدمة المواطن المصرى بجميع فئاته الاجتماعية. وأوضح الشافعى أن أبرز هذه الأخطاء تمثلت فى تخصيص مساحات كبيرة للكافيهات والمطاعم التى تقدم خدمات بأسعار سياحية، ما جعل المشروع أقرب إلى كونه نشاطًا استثماريًا ربحيًا، بدلًا من كونه متنفسًا عامًا مفتوحًا للمواطنين.

محمود الخواص وأشار إلى أن رفع أسعار تذاكر الدخول لتصل إلى ٧٥ جنيهًا فى بعض المناطق، يعد مؤشرًا واضحًا على تغليب البعد الربحى على البعد الخدمى، مؤكدًا أن هذه القيمة لا تراعى الظروف الاقتصادية لقطاع واسع من المواطنين، وأضاف: «كان من البديهى، قبل تنفيذ أى مشروع عام بهذا الحجم، طرح تساؤلات جوهرية تتعلق بطبيعة المشروع، وهل هو متاح لكل فئات المجتمع أم لا، لأن الوصول بسعر التذكرة إلى ٧٥ جنيهًا يعكس غياب البعد الاجتماعى فى التخطيط».

ولفت إلى أن تنفيذ المشروع لم يضع المواطن فى صدارة الأولويات، بل اتجه بشكل واضح نحو تحقيق الأرباح، وهو ما يتضح فى عدة نقاط، سواء من حيث طبيعة الأنشطة التجارية، أو تسعير الخدمات، أو آليات الدخول، وشدد على أن مخرجات المشروع الحالية تستوجب إعادة دراسته من جديد، مع إعادة الاعتبار لفكرة أن الممشى مشروع عام مخصص للمواطن، وليس مجرد مصدر للربح، موضحا أن تحديد هوية المشروع مسألة أساسية، فإذا كان الغرض من الممشى سياحيًا بحتًا، فيجب الإعلان عن ذلك بوضوح، أما إذا كان مشروعًا يخدم الأجيال الحالية والمقبلة، فيجب وضع آليات واضحة تضمن حقوق الأجيال القادمة فى الاستفادة منه، وأكد أن المشروعات القومية الكبرى لا تُقاس فقط بالعائد المالى، وإنما بمدى تحقيقها للعدالة الاجتماعية والاستدامة.

ودعا الشافعى إلى إعادة دراسة المشروع بشكل أكثر مجتمعيًا، من خلال الاستعانة بخبراء حقيقيين فى الاقتصاد والتخطيط العمرانى والبيئة، لوضع «روشتة» حلول واضحة، تضمن إتاحة المشروع لجميع طوائف المجتمع، وتحقيق أفضل استفادة ممكنة من الواجهة النيلية، بما يتماشى مع ضرورة أن يجنى المواطن المصرى ثمار التنمية.

فى المقابل، قدم الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، رؤية مغايرة، مؤكدًا أن فكرة مشروع ممشى أهل مصر فى جوهرها تقوم على الاستغلال الأمثل لنهر النيل، وخلق واجهة نيلية حضارية تواكب المعايير العالمية، وتجذب السياحة المحلية والدولية، فضلًا عن توفير فرص استثمارية.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة المصري اليوم

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة المصري اليوم

منذ ساعة
منذ 8 ساعات
منذ 12 ساعة
منذ 5 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 6 ساعات
موقع صدى البلد منذ 6 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 11 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 14 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 17 ساعة
بوابة الأهرام منذ 18 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ ساعتين
جريدة الشروق منذ 20 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 11 ساعة