لم يعد السؤال اليوم: هل ينهار النظام الدولي؟ بل السؤال الأدق والأخطر: كيف يعمل هذا النظام بعد أن فقد شرعيته الأخلاقية؟ فما نشهده ليس انهيارًا فجائيًا للمؤسسات، ولا فراغًا في القواعد، بل تحوّلًا أعمق: تحوّل النظام من إطار يُفترض أن يضبط القوة، إلى منظومة تُدار بالقوة نفسها، مستخدمة القانون أداةً لا معيارًا. وهنا تبدأ مرحلة يمكن توصيفها بالفوضى المُقنَّنة.
أولًا: حين تُفرَّغ الشرعية من معناها.
الشرعية ليست إجراءً شكليًا، ولا توقيعًا مؤسسيًا، بل علاقة ثقة بين النظام ومن يُفترض أن يخضع له. وحين تُمارَس القواعد بانتقائية، وتُعطّل المبادئ عند أول اختبار جدي، تفقد الشرعية وظيفتها الأخلاقية، حتى وإن بقيت قائمة في النصوص. في هذه المرحلة، لا يختفي القانون، بل يتحوّل: من معيار جامع إلى لغة تبرير، ومن أداة حماية إلى وسيلة إدارة. وهكذا، لا يُلغى النظام الدولي، بل يُفرَّغ من روحه، ويُترك قائمًا بهيكله، يعمل بلا مضمون عدلي.
ثانيًا: الفوضى المُقنَّنة.. حين يصبح الاستثناء قاعدة.
الفوضى التي تتشكّل اليوم ليست فوضى انفلات، بل فوضى مضبوطة الإيقاع. تُدار بالأدوات ذاتها التي يفترض أن تمنعها: قرارات أممية بلا أثر، تحقيقات بلا مساءلة، خطاب حقوقي بلا حماية فعلية.
يُعاد تعريف الاستثناء ليصبح قاعدة دائمة، ويُعاد تأويل الضرورة لتبرير كل ما لا يمكن تبريره، ويُستخدم القانون لا لمنع العدوان، بل لتنظيم آثاره. في هذا السياق، لا يعود الظلم خرقًا للنظام، بل احدى آليات عمله.
ثالثًا: دليل من قلب الغرب: اعتراف مارك كارني.
في مقطع فيديو من خطابه في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، اعترف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بأن النظام الدولي القائم على القواعد بعد الحرب العالمية الثانية كان «جزئيًا كاذبًا». وأوضح أن الدول القوية، وخاصة تحت الهيمنة الأمريكية، كانت غالبًا ما تستثني نفسها من القواعد، وتفرض التجارة بشكل غير متكافئ، وتطبق القانون الدولي بشكل انتقائي على أساس هوية الضحايا. وأكد أن الدول الغربية، بما فيها كندا، شاركت عن علم في هذه «الخدعة»، لأنها وفرت فوائد مثل ممرات بحرية آمنة و أمن مستقر وإطار لحل النزاعات.
لكن كارني أعلن أن هذه الصفقة أصبحت قديمة، وسط أزمات التمويل والصحة والطاقة والجغرافيا السياسية، حيث تُستخدم أدوات التكامل الاقتصادي كسلاح، فتتحول المنفعة المتبادلة إلى تبعية.
هذا الاعتراف من قلب الغرب نفسه يُعد دليلًا عمليًا لا يمكن إنكاره على ما تحدثنا عنه: انتقائية القانون، فقدان المصداقية، وتحويل الاستثناء إلى قاعدة، وهو ما يفسر الفوضى المُقنَّنة في العالم اليوم.
رابعًا: المؤسسات الدولية بين الضبط والتواطؤ.
كشفت الأزمات المتلاحقة أن كثيرًا من المؤسسات الدولية لم تُصمَّم لتكون ميزان عدل، بل لتؤدي وظيفة الضبط: احتواء الغضب، تأجيل الانفجار، ومنح الغطاء القانوني.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة القبس
