أنا ابنة أخطائي لا ضحيتها
لم أصل إلى ما أنا عليه اليوم عبر طريق مرشوش بماء الورد. لم أكن تلك التي «عرفت الصواب» منذ البداية، ولا تلك التي عبرت الحياة دون تعثّر. أنا مثل كثيرين تشكّلتُ من أخطائي بقدر ما تشكّلتُ من محاولات تصحيحها. كل مرة أخطأت فيها، كنت أظن أنني خسرت شيئًا صورة أشخاص، مكانة أصدقاء، ثقة بأحدهم، أو حتى جزءًا من نفسي.
وأن الخطأ نهاية،والسقوط دليل ضعف، والاعتراف به هزيمة. كنت أتعامل مع الخطأ كجماد لايتحرك ولا يتبدل، لايتحول إلى وعي وإدراك.
لكنني، مع الوقت، بدأت ألاحظ أن أعمق تحوّلاتي لم تبدأ من النجاح، بل من الإخفاق؛ من لحظة وعي مؤلمة تقول لي: هنا أخطأت، وهنا عليّ أن أرى نفسي كما هي، لا كما أريدها أن تكون. لأنني حين أراها بوضوح، وأكون صادقة مع نفسي، سأرى نقاط القوة والضعف، وأرى أين نجحت، ومتى وقعت.
نحن لا نولد كاملين، ولا نسير في الحياة بخريطة واضحة المعالم. نمشي غالبًا ونحن نتعلّم من ارتطام أنفنا بالجدران، من انكساراتنا الصغيرة، من لحظات الخجل التي نودّ لو نمحوها من الذاكرة.
في ثقافتنا الجمعية، يُقدَّم الخطأ بوصفه وصمة، وكدليل على الفشل أو ضعف الشخصية. يُطلب من الإنسان أن يكون «صحيحًا» طوال الوقت، متزنًا،عارفًا، ناجحًا، وكأن التجربة الإنسانية يمكن أن تُعاش دون عثرات.
ولهذا لا يُنظر إلى الخطأ بوصفه تجربة، بل بوصفه حكمًا، ولا يُناقش السلوك بقدر ما يُدان صاحبه.
نخاف من الخطأ لأننا نربطه بالعار، لا بالتعلّم. لأننا تربّينا على أن الخطأ يُشهَّر به، لا يُحلَّل، وعلى أن الاعتراف به يجرّ المساءلة الاجتماعية قبل أن يفتح باب الفهم.
فكنا صغارا نخاف أن نخطئ بالأجوبة ليس أجوبة الحياة بل إمتحان المدرسة وكبرنا وأصبح الخوف من الخطأ ليس فقط على مقاعد الفصول الدراسية فقط وإنما في خطواتنا القادمة وقراراتنا، في عملنا وفي بيوتنا وفي كل مكان.
ما هو الخطأ الذي نخشاه أو مازلنا نخشاه حتى لو ازداد وعينا وثقتنا بأنفسنا حتى لو لم نعد نعبأ بحكم الجاهلين
لكن، لماذا نخاف من الخطأ إلى هذا الحد؟ قد تكمن جزء من الإجابة في كيفية عمل أدمغتنا.
تشير أبحاث في علم الأعصاب من جامعة ستانفورد إلى أن القلق والتوتر المزمن يمكن أن يعطلا الدائرة الدماغية المسؤولة عن تنظيم العواطف. في حالة الأطفال القلقين، وجدت الدراسة أن الإشارات العصبية القادمة من مركز الخوف في الدماغ (اللوزة الدماغية) إلى مركز التفكير والتحكم (قشرة الفص الجبهي) تكون أقوى، مما يجعل من الصعب عليهم كبح ردود الفعل السلبية أو العاطفية.
وفي دراسة أخرى من ستانفورد، تبيّن أن الطلاب الذين يتبنون «عقلية النمو» (Growth Mindset) يكونون أكثر مرونة في مواجهة التحديات. يرون في العقبات والإخفاقات فرصًا للتعلّم، بينما يرى أصحاب «العقلية الثابتة» فيها تهديدًا لهويتهم.
وهنا يبرز اختلاف دلالي عميق في فهم كلمة «خطأ» نفسها.
في الثقافة العربية، يُحمَّل الخطأ غالبًا معنى شخصيًا مباشرًا؛ يُقرأ بوصفه انعكاسًا على أخلاق الإنسان، أو نواياه، أو تربيته، أو حتى «قيمه الداخلية». فالخطأ لا يُفصل بسهولة عن صاحبه، بل يلتصق به، ويُصبح حكمًا عليه لا على فعله فقط.
أما في كثير من الثقافات الغربية، فيذهب التفكير تلقائيًا إلى مجال مختلف: خطأ في العمل، في الدراسة، في القرار، في التقدير. أي أن الخطأ يُرى بوصفه حدثًا أو فعلًا أو تجربة قابلة للمراجعة، لا بوصفه تعريفًا للإنسان نفسه.
وربما لهذا السبب تحديدًا، لا يتساوى الناس في عدد أخطائهم، ولا في علاقتهم بها.
ومن كان كثير الحركة، طويل الطموح، متعدّد المحاولات، بل من أراد أن يُحدث فرقًا، أو أن يصنع شيئًا، أو أن يكون رقمًا في هذا العالم، لا بدّ له من الوقوع في الخطأ، بل والإكثار منه.
وحين يُقاس الخطأ بالمقارنة لا بالتجربة، يختلّ الميزان.
فعندما كان البعض يقول لي: أنتِ أخطأتِ أكثر مني، كنت أقول لهم: ماذا كنتِ تفعلين بحياتك لتخطئين؟ لا شيء.
لم أكن أعدّ عدد أخطائي، لكن الآخرين كانوا يفعلون. كانوا يحصونها كأنها سجل إدانة، لا سجل حياة. ولم يكن يزعجني أن أُخطئ، بقدر ما كان يزعجني أن يُختصر وجودي في ذلك الخطأ.
النظرة إلى الخطأ ليست محلية بحتة؛ فهي تختلف وتتطور عبر الثقافات والمجالات. في وادي السيليكون، قلب التكنولوجيا العالمي، تحولت الفلسفة من «الخوف من الفشل» إلى «احتضانه» كمحرّك أساسي للابتكار. الشعار.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرأي الأردنية
