إيمان الفارس عمان- تجيء مباحثات القاهرة بين جلالة الملك عبد الله الثاني والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لتمنح التنسيق الأردني - المصري بعدا عمليا يتجاوز التصريحات، وتضعه في سياق فعل سياسي منظم يسعى إلى التأثير في مسار الأزمة الفلسطينية والإقليمية.
فالتشديد المشترك على تنفيذ اتفاق وقف الحرب في غزة بجميع مراحله، وتعزيز دخول المساعدات الإنسانية دون قيود، والبدء السريع بعمليات التعافي المبكر وإعادة الإعمار، تعكس انتقال هذا التنسيق من مستوى المواقف المعلنة إلى مستوى العمل الممنهج المرتبط بحسابات الاستقرار والأمن الإقليمي.
وهذا الحراك على مستوى القمة، ينسجم مع القراءة التي قدمها خبراء في الشأن السياسي والإستراتيجي، في تصريحاتهم لـ الغد ، والتي رأت في التنسيق الأردني المصري، تحولا من إدارة الأزمة إلى محاولة التأثير في مسارها.
كما قرأ المختصون اللقاء بين جلالة الملك والرئيس المصري، بوصفه ترجمة سياسية مباشرة لرؤية مفادها تثبيت خطوط حمر واضحة، تتعلق بوقف الحرب، ورفض التهجير، وحماية القدس، مع السعي إلى توسيع هذا التفاهم ليشكل نواة لتحرك عربي أوسع.
وهذا المسار لا يعد بقلب موازين القوى، لكنه يشير إلى بداية تشكل نهج عربي أكثر واقعية وفاعلية، يقوم على لغة المصالح والتكلفة، ويسعى إلى إعادة ضبط التوازن الإقليمي بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات.
فغزة، وفق هذا التقدير، لم تعد ساحة معزولة، بل باتت نقطة ضغط تتقاطع عندها ملفات الأمن والحدود واللاجئين والاستقرار الداخلي، وهو ما يفسر الإصرار الأردني المصري على تثبيت وقف الحرب باعتباره ضرورة إستراتيجية لا مجرد استجابة إنسانية.
أما تحذير جلالة الملك من عواقب استمرار الاعتداءات على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، فيمنح هذا التنسيق بعدا إضافيا، إذ جرى التعامل مع القدس باعتبارها نقطة الاشتعال الأخطر أمنيا في المنطقة.
وهذا التحذير، حين تقاطع مع الموقف المصري الداعم لخفض التصعيد وتسوية الأزمات بالوسائل السلمية، عزز الرسالة العربية التي سعت مباحثات القاهرة إلى إيصالها، ومفادها أن المساس بالوضع القائم في القدس لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يفتح الباب أمام موجات عدم استقرار إقليمي واسعة.
كما أن الرفض المشترك لأي محاولات لتهجير الشعب الفلسطيني، والذي جرى تأكيده خلال المباحثات، شكل إحدى الركائز الأساسية لهذا التنسيق.
حراك عربي أكثر تماسكا
وفي قراءة سياسية لمخرجات مباحثات القاهرة، أكد الخبير الإستراتيجي والعسكري د نضال أبو زيد، أن التنسيق الأردني المصري الذي برز أخيرا عكس رؤية مشتركة ومتقدمة تجاه مجمل القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها تطورات القضية الفلسطينية، وأسس لحراك عربي أكثر تماسكا في مواجهة التحديات الراهنة.
وأكد أبو زيد أن هذا التنسيق لم يكن طارئا، بل جاء ليترجم تقاربا إستراتيجيا قائما بين البلدين، موضحا أن التنسيق يؤكد أن الرؤية الأردنية المصرية مشتركة فيما يتعلق بالعديد من القضايا الإقليمية ، لافتا إلى أن هذا التلاقي السياسي جسد دعم الأردن للمشروع المصري الذي خرج به مؤتمر القمة العربية الطارئة في القاهرة، والذي رسم الخطوط الدبلوماسية العريضة للعديد من قضايا المنطقة .
وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، أشار أبو زيد إلى أن الموقفين المصري والأردني انطلقا من قاعدة واحدة قامت على تغليب المسار الدبلوماسي ورفض منطق القوة، مبينا أن هناك أيضا رؤية مشتركة مصرية أردنية جسدت ضرورة أن يكون الحل دبلوماسيا في قطاع غزة، وأن تصطف هذه الرؤية إلى جانب الأشقاء سواء في قطاع غزة أو في الضفة الغربية .
وأضاف أن هذا التفاهم المتبادل تجسد أيضا في تبادل الأدوار السياسية بين البلدين، حيث دعمت مصر الرؤية الأردنية في ما يتعلق بحل الدولتين، والأردن دعم الرؤية المصرية فيما يتعلق بالعديد من القضايا المرتبطة بقطاع غزة بحكم الواقع الجغرافي القريب من الأراضي المصرية، الأمر الذي عزز فرص بناء موقف عربي قادر على التأثير في مسار الأزمة.
وفي سياق متصل، شدد أبو زيد على أن رفض التهجير شكل نقطة ارتكاز أساسية في هذا التنسيق، معتبرا أن هذا الموقف عكس إدراكا عميقا للمخاطر الإستراتيجية المترتبة على هذا الطرح.
وقال في هذا الصدد إن كلتا الرؤيتين الأردنية والمصرية رفضتا موضوع التهجير الذي دفع باتجاهه نتنياهو والحكومة اليمينية الإسرائيلية ، مؤكدا أن هذا الرفض لم يندرج ضمن ردود الفعل، بل جاء في إطار موقف إستراتيجي واضح.
وتابع أن الموقف الأردني المصري كان موحدا حول الخيار الإستراتيجي الإسرائيلي فيما يتعلق بموضوع التهجير ، معتبرا أن وحدة هذا الموقف بعثت برسائل سياسية مباشرة للمجتمع الدولي حول خطورة المساس بالثوابت الفلسطينية، سواء في غزة أو القدس، وما ترتب على ذلك من تداعيات مست استقرار المنطقة برمتها.
وفي هذا الإطار، رأى أبو زيد أن التحذير الأردني من الاعتداءات على المقدسات في القدس انسجم تماما مع الموقف المصري الداعم لضرورة خفض التصعيد، معتبرا أن القدس شكلت عنوانا مركزيا لأي محاولة لإعادة ضبط التوازن الإقليمي، وأن أي تجاوز فيها قوض فرص الاستقرار.
وشدد على أن مجمل هذه المعطيات أشارت إلى أن كل هذه النقاط أكدت أن الرؤيتين الأردنية والمصرية مشتركتان حيال العديد من القضايا ، لافتا إلى أهمية الدور الدبلوماسي الأردني الذي يعد مكملا ومحوريا في هذا السياق، حيث يؤيد فكرة أن يكون هناك دعم دبلوماسي ليس إقليميا فقط بل دوليا أيضا للمشروع المصري فيما يتعلق بقضية وقف إطلاق النار في قطاع غزة .
وبحسب أبو زيد، فإن هذا الحراك الأردني المصري، إذا جرى البناء عليه عربيا، سيكون قادرا على تشكيل مدخل لإعادة تفعيل العمل العربي المشترك، وتعزيز فرص الاستقرار الإقليمي في مرحلة بدت فيها المنطقة أمام مفترق طرق سياسي وأمني بالغ الحساسية.
البلدان الأكثر تضررا
وفي تقييمه لدلالات التنسيق الأردني المصري الذي برز خلال مباحثات القاهرة، أكد الخبير السياسي د. عامر السبايلة، أن هذا التنسيق جاء منذ بدايات الأزمة واضحا ومفهوما في سياقه السياسي والأمني، باعتبار أن كلا البلدين يقع في دائرة التأثر المباشر بتداعيات التصعيد، كل من زاويته الجغرافية والسياسية.
وقال السبايلة إن التنسيق الأردني المصري منذ.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
